كشفت شكاوى العاملين بعقود الاستعانة تأخر مديريات التموين في محافظات عدة عن صرف أجور شهرية لا تتجاوز 1400 جنيه لمدة بلغت 4 أشهر ما دفع مئات الأسر إلى الديون والعجز عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
وتفضح الأزمة حكومة تطالب المواطنين باحتمال الغلاء بينما تحرم عمالها من أجر هزيل أصلًا وتتركهم بلا تأمين صحي أو بدل انتقال ثم تختبئ خلف دورات مستندية لا تطعم أسرة ولا تسدد إيجارًا.
أجر محجوب وحقوق غائبة
وبحسب شهادات العاملين تتراوح مدة تأخر المستحقات بين 3 و4 أشهر متتالية رغم استمرارهم في أداء مهامهم داخل مديريات التموين وفي مقدمتها مديرية الجيزة دون توقف أو تخفيض في الأعباء الوظيفية المكلفين بها.
كما أكد أحد المتضررين أن الأجر الشهري البالغ 1400 جنيه يمثل مصدر الدخل الوحيد لأسرته رغم أنه لا يكفي الطعام والسكن والمواصلات ما يجعل تأخيره حصارًا معيشيًا لا مجرد خلل إداري عابر.
في المقابل أرجع مصدر بوزارة التموين الأزمة إلى تأخر وصول البنود المالية المخصصة للعقود من وزارة المالية وتصنيف الأجور على صناديق خاصة أو أبواب تمر بدورات مستندية معقدة قبل إتاحتها للصرف.
غير أن هذا التفسير ينقل المسؤولية بين وزارتين ولا يرفعها عن الحكومة التي تعاقدت مع العمال واستفادت من عملهم وظلت مطالبة بتوفير الاعتمادات مسبقًا وضمان وصول الأجر في موعد ثابت لا يتغير.
ويرى كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية أن المشكلة لا تتوقف عند ضعف الحد الأدنى للأجور بل تمتد إلى عدم تطبيقه داخل جهات حكومية يفترض أنها أول الملتزمين بقرارات الدولة.
وبناءً على معياره يصبح أجر 1400 جنيه دليلًا على فجوة فادحة بين القرارات المعلنة والتطبيق لأن العامل يتقاضى نسبة محدودة من الحد الأدنى الحكومي ثم يحرم حتى من هذا المبلغ الضئيل لأشهر.
ومن زاوية المعيشة يؤدي انقطاع الدخل إلى تراكم الديون وتأجيل شراء الدواء والتعثر في دفع الإيجار ومصروفات الدراسة بينما تواصل الأسعار ارتفاعها دون انتظار انتهاء المكاتبات بين وزارة المالية ومديريات التموين.
عقود تبقي الفقر دائمًا
وتقدم النائب إيهاب منصور وكيل لجنة القوى العاملة بسؤال إلى وزيري المالية والتموين بشأن تأخر المستحقات مطالبًا بكشف الأسباب الحقيقية والإجراءات المقررة لضمان الصرف المنتظم وعدم تجدد الأزمة في المحافظات.
ووفقًا للسؤال البرلماني يعمل المتضررون بهذا النظام منذ عام 2020 دون حصولهم على أجر يقترب من الحد الأدنى أو تمتعهم بالتأمين الصحي وبدل الانتقال رغم استمرار حاجات المديريات إلى خدماتهم اليومية.
علاوة على ذلك اقترب عدد من هؤلاء العمال من سن 40 عامًا ما قد يقلص فرصهم في التقدم لمسابقات حكومية تشترط حدودًا عمرية ويترك سنوات خدمتهم السابقة بلا مسار واضح للتثبيت أو التسوية.
وفي هذا الصدد يوضح الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن قيمة الأجر ينبغي قياسها بقدرتها الشرائية وتكاليف المعيشة لا بالرقم المجرد مؤكدًا أن زيادات الأجور فقدت أثرها مع استمرار ارتفاع الأسعار.
وانطلاقًا من ذلك لا يمثل مبلغ 1400 جنيه أجرًا معيشيًا حتى عند انتظام صرفه إذ يعادل جزءًا محدودًا من الاحتياجات الشهرية قبل احتساب نفقات العلاج والتنقل والتعليم وهي التزامات يتحملها العامل منفردًا.
وفوق هذا الحرمان يؤدي غياب التأمين الصحي إلى تحميل الأسرة تكلفة المرض كاملة بينما يعني عدم وجود بدل انتقال اقتطاع جزء إضافي من الأجر الهزيل للوصول إلى مقر العمل وأداء خدمة حكومية.
ومن ثم تتحول عقود الاستعانة إلى وسيلة لتوفير عمالة منخفضة التكلفة للجهة الإدارية دون منحها الحماية المقررة للعاملين الدائمين بما يخلق طبقة وظيفية تؤدي العمل نفسه مقابل أجر وحقوق أقل كثيرًا.
وطالب إيهاب منصور بسرعة صرف المتأخرات ووضع خطة تشمل مراجعة الأجور وتوفير مظلة تأمين صحي وبدل انتقال مناسب إلى جانب توضيح مستقبل العمال الذين أمضوا سنوات في خدمة مديريات التموين.
كذلك شدد على أن انتظام الأجر حق أساسي لا يجوز إخضاعه لتوقيت وصول الاعتمادات أو تعقيدات الصناديق الخاصة لأن العامل لا يملك تعليق التزاماته الأسرية حتى تنتهي الجهات الحكومية من مراسلاتها.
حلول مؤجلة ومساءلة غائبة
ومن الناحية القانونية يشرح أشرف الشربيني المحامي بالنقض ومدير المكتب القانوني لدار الخدمات النقابية أن العقود المؤقتة تضعف الأمان الوظيفي حين تستخدم لتغطية أعمال دائمة دون ضمانات عادلة للأجر والاستمرار.
وبالتالي تكشف الأزمة أن وصف العقد بالاستعانة لا يغير حقيقة العلاقة القائمة على عمل منتظم وتكليفات مستمرة وإشراف إداري بما يستوجب حماية العامل من تأخر الأجر والحرمان من التأمين والمزايا الأساسية.
أما استمرار الوضع منذ عام 2020 فينفي صفة الاحتياج العارض عن الوظائف التي يشغلها هؤلاء لأن اعتماد المديريات عليهم لنحو 6 سنوات يكشف حاجة دائمة جرى تغطيتها بعقود هشة منخفضة التكلفة.
إضافة إلى ذلك لا تتوقف الخسارة عند قيمة المتأخرات إذ يدفع العمال فوائد الديون وغرامات التأخير ويتحملون ارتفاع الأسعار خلال فترة حجب الأجر ما يعني أن صرف المبلغ لاحقًا لا يعوض الضرر كاملًا.
وعليه يتطلب الحل حصرًا معلنًا لأعداد العاملين والمتأخرات في كل مديرية وجدولًا ملزمًا للصرف مع تخصيص بند مالي ثابت يمنع تكرار الأزمة بدل معالجة كل موجة احتجاج بمخاطبات ووعود مؤقتة.
وبالموازاة يجب أيضًا مراجعة جميع العقود منذ بدايتها وضم المستحقين إلى التأمين الصحي والاجتماعي واحتساب بدل الانتقال ورفع الأجور إلى مستوى قانوني يراعي الحد الأدنى وتكاليف المعيشة وطبيعة المهام الفعلية.
وبدلًا من تبادل الاتهامات بين التموين والمالية يفترض تحديد المسؤول الإداري عن تأخر الاعتماد والصرف ومساءلته لأن غياب المحاسبة يحول المخالفة إلى قاعدة ويجعل العامل الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن.
وفي نهاية المطاف تختبر القضية صدقية الحكومة في حديثها عن الحماية الاجتماعية لأن الدولة التي تعجز عن دفع 1400 جنيه لعاملها في موعده لا تستطيع إقناع المواطنين بأن كرامة العمل ضمن أولوياتها.
وختامًا يحتاج عمال الاستعانة إلى أجورهم المتأخرة فورًا ثم إلى تسوية شاملة تنهي سنوات العمل الهش وتمنحهم أجرًا عادلًا وتأمينًا صحيًا واستقرارًا وظيفيًا بدل إبقائهم رهائن لبنود مالية تتعطل كل عدة أشهر.

