دخل النزاع التاريخي حول أراضي «وقف الأمير مصطفى عبد المنان» مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما اتهمت وزارة الإسكان هيئة الأوقاف بالاستناد إلى «حُجة ملكية مزورة» للمطالبة بالسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الواقعة في محافظات دمياط وكفر الشيخ والدقهلية، من بينها أراضٍ خُصصت بقرارات جمهورية لإقامة مدينة دمياط الجديدة ومشروعات عمرانية كبرى.

 

وكشفت مستندات وخطابات رسمية متبادلة بين الجهات الحكومية عن تصاعد حدة الخلاف القانوني بين وزارة الإسكان وهيئة الأوقاف، في ظل استمرار تعطيل التصرفات العقارية والتعاملات الرسمية على الأراضي محل النزاع، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بين المواطنين والمستثمرين وأصحاب طلبات التصالح في مخالفات البناء بالمحافظات الثلاث.

 

نزاع على أكثر من 421 ألف فدان


وتعود جذور الأزمة إلى مطالبة هيئة الأوقاف بحقها في الإشراف على أراضٍ تقول إنها تدخل ضمن نطاق «وقف الأمير مصطفى عبد المنان»، الذي يُعد من أكبر الأوقاف الخيرية في تاريخ مصر، حيث تشير تقديرات إلى أن مساحة الوقف تتجاوز 421 ألف فدان موزعة بين محافظات دمياط وكفر الشيخ والدقهلية.

 

وبحسب البيانات المتداولة، تشمل تلك المساحات أجزاء واسعة من الأراضي الواقعة غرب نهر النيل بمحافظة دمياط، بما فيها مدينة رأس البر ومدينة دمياط الجديدة، إلى جانب مساحات ضخمة في كفر الشيخ والدقهلية، الأمر الذي جعل النزاع يتجاوز كونه خلافًا قانونيًا إلى أزمة تمس مصالح مئات الآلاف من المواطنين.

 

وكانت مصلحة الشهر العقاري قد عممت منشورًا على مكاتبها المختلفة يقضي بوقف أي إجراءات تسجيل أو بيع أو تصرفات قانونية على الأراضي الواقعة ضمن نطاق الوقف، استنادًا إلى مخاطبات رسمية من هيئة الأوقاف أكدت فيها أحقيتها في نظارة الوقف وإدارته.

 

وزارة الإسكان: «الحُجة باطلة وثبت تزويرها»


وفي تطور لافت، أرسلت وزارة الإسكان خطابًا رسميًا إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة تطلب فيه حسم النزاع القائم بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وهيئة الأوقاف بشأن ملكية الأراضي المخصصة لمدينة دمياط الجديدة.

 

وأكدت الوزارة، في خطابها، أن الأراضي محل النزاع «مملوكة للدولة ملكية خالصة»، وأن قرارات تخصيصها صدرت بقرارات جمهورية نهائية دعمتها أحكام قضائية باتة.

 

واتهمت الوزارة هيئة الأوقاف بالاستناد إلى «حُجة وقف مزورة»، مشيرة إلى أن القضاء سبق أن فصل في هذه المسألة عبر حكم صادر في الجناية رقم 398 لسنة 1994 الظاهر، والمقيدة برقم 25 لسنة 1994 كلي القاهرة، والذي قالت إنه أثبت بطلان الحُجة وتزويرها.

 

وأضافت الوزارة أن استمرار مطالبة هيئة الأوقاف بالحصول على نسبة من حصيلة بيع الأراضي رغم صدور أحكام قضائية نهائية لصالح الدولة، يمثل تعطيلًا للمشروعات العمرانية والاستثمارية القائمة في المنطقة.

 

مجلس الدولة يرفض الفصل في النزاع


ورغم خطورة الاتهامات المتبادلة، لم تحسم الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة النزاع بشكل نهائي، إذ قررت عدم اختصاصها بنظر القضية.

 

وأوضحت الجمعية أن اختصاصها يقتصر على المنازعات التي تنشأ بين الجهات الإدارية الحكومية، بينما تظهر هيئة الأوقاف في هذا النزاع بصفتها نائبة عن وزير الأوقاف باعتباره «ناظر الوقف»، وهو ما يمنح النزاع طبيعة مدنية تتعلق بأموال خاصة، لا بأموال عامة.

 

وأشارت الجمعية إلى أن قانون إعادة تنظيم هيئة الأوقاف رقم 209 لسنة 2020 اعتبر أموال الأوقاف «أموالًا خاصة»، وبالتالي فإن النزاع يخرج عن نطاق اختصاص مجلس الدولة، ما يعني استمرار المعركة القضائية أمام المحاكم المدنية دون حسم قريب.

 

مزادات متوقفة وتصالحات معلقة


وتسببت الأزمة خلال الأشهر الأخيرة في تعطيل عدد من الإجراءات الحكومية، بعدما نجحت هيئة الأوقاف في استصدار حكم قضائي بوقف مزاد علني كانت محافظة دمياط تستعد لتنظيمه لبيع 57 وحدة سكنية، بحجة وقوعها ضمن أراضي الوقف.

كما امتدت التداعيات إلى ملف التصالح في مخالفات البناء، حيث أكد نواب بالبرلمان أن آلاف الطلبات توقفت بسبب رفض هيئة الأوقاف اعتماد الإجراءات المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها.

وقال النائب ضياء الدين داود، في بيان عاجل أمام مجلس النواب، إن قرار وقف التعاملات العقارية يمثل «اعتداءً على حقوق الملكية والانتفاع والإيجار»، فضلًا عن كونه يعرقل تنفيذ قوانين التصالح وتقنين أوضاع واضعي اليد.

وأشار البيان إلى أن أكثر من 50 ألف طلب تصالح بمحافظة دمياط أصبح مهددًا بالرفض، بما قد يفتح الباب أمام صدور قرارات إزالة وأحكام قضائية ضد المواطنين في قضايا البناء المخالف.

تساؤلات حول «الحُجة» التاريخية


وفي السياق ذاته، أثار عدد من النواب تساؤلات جديدة حول الوثيقة التاريخية التي تستند إليها هيئة الأوقاف لإثبات ملكيتها للأراضي.

 

وقال النائب عبد المنعم إمام، في طلب إحاطة تقدم به إلى الحكومة، إن «حُجة الوقف» أودعت بدار الوثائق القومية خلال شهر فبراير الماضي، رغم أن عمرها يتجاوز أربعة قرون، متسائلًا عن أسباب إيداعها في هذا التوقيت تحديدًا، وكيفية اعتمادها رسميًا بعد كل هذه السنوات.

 

وأضاف أن النزاع حول هذه الأراضي ليس جديدًا، بل يمتد لأكثر من 30 عامًا، مشيرًا إلى أن لجنة فنية شكلتها الحكومة عام 2001 انتهت ـ بعد مراجعة وثائق دار المحفوظات ودار الكتب والمحاكم وهيئة المساحة ـ إلى عدم وجود ولاية لهيئة الأوقاف على تلك الأراضي.

 

الأمير الغامض و«أكبر وقف في تاريخ مصر»


ويحيط الغموض بشخصية الأمير مصطفى عبد المنان نفسه، إذ تختلف الروايات التاريخية بشأنه؛ فبينما تشير بعض المصادر إلى أنه أمير عثماني ولد في دمشق عام 1617 وانتقل إلى القاهرة حتى حصل على رتبة «أمير اللواء السلطاني»، تذهب روايات أخرى إلى أنه شخصية وردت في مخطوطات أدبية قديمة ومراسلات شعرية.

 

ورغم الجدل التاريخي، فإن الوقف المنسوب إليه يُعد من أكبر الأوقاف في مصر، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أنه يمثل نحو 7% من الأراضي الزراعية المصرية، موزعة بين أكثر من 256 ألف فدان في كفر الشيخ، و89 ألف فدان في دمياط، و74 ألف فدان في الدقهلية.

 

ومع استمرار النزاع القضائي والإداري بين وزارة الإسكان وهيئة الأوقاف، تبقى مئات الآلاف من الأفدنة، وآلاف العقارات والتصرفات القانونية، رهينة لمعركة قانونية معقدة قد تستمر لسنوات، في واحدة من أكبر أزمات الملكية العقارية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة.