تتجلى في مناسك الحج حكمة إيمانية عميقة، لا تقف عند ظاهر الأفعال ولا تنحصر في حركات يؤديها المسلمون دون فهم، فكل شعيرة من شعائر الحج تحمل معنى يوقظ القلب، ويربط المسلم بتاريخ التوحيد الأول، ويجدد صلته بالبيت الحرام الذي جعله الله قبلة للناس ومهوى لأفئدتهم.

 

وتكشف رحلة الحج أن الإسلام لا يطلب من أتباعه الانفصال عن الذاكرة المقدسة، بل يربطهم بأماكن الطاعة ربطًا رشيدًا، بعيدًا عن الوهم والخرافة، فالمسلم لا يعبد الكعبة ولا الحجر ولا الموضع، وإنما يعبد رب البيت، ويطوف امتثالًا لله، ويذكر تاريخ إبراهيم وهاجر وإسماعيل ليحيا معنى التوحيد والتوكل والطاعة.

 

ويرى الشيخ محمد الغزالي أن من الخطأ تصوير أفعال الحج على أنها أمور لا يدرك العقل حكمتها، لأن المناسك عند التأمل ترتبط بمعان واضحة، وتغرس في النفس عبادة الله وحده، وتصل الحاضر بالماضي، وتحوّل الذكرى الدينية إلى قوة تربوية وروحية واجتماعية.

 

الحج ليس أفعالًا غامضة بل عبادة ذات معنى

 

يبدأ الشيخ محمد الغزالي برفض الفهم الذي يجعل الحج ابتلاءً بأفعال لا يعقلها الإنسان، مؤكدا أن الله كلف عباده بما يوقظ عقولهم وقلوبهم، وأن شعائر الحج تحمل من الحكم ما يجعلها أقرب إلى الفطرة والعقل من كثير من التقاليد التي تعظمها الأمم الأخرى.

 

فالأمم تغالي في ذكرياتها، وتربط بها مشاعر نفسية واجتماعية واسعة، فقد ربط النصارى أنفسهم بقبر المسيح وطريق الآلام كما يقولون، وربط اليهود أنفسهم بحائط المبكى، وبنوا عليه دعاوى وحقوقًا ما أنزل الله بها من سلطان.

 

ومن هذا الباب لا يصح أن يستغرب أحد ارتباط المسلمين بأماكنهم المقدسة، لأن هذا الارتباط عند دراسته يظهر أقرب إلى الرشد وأبعد عن الوهم، فهو ارتباط بالتوحيد والعبادة والطاعة، لا ارتباط بخرافة أو دعوى باطلة أو تقديس لحجر من دون الله.

 

فالكعبة هي البيت الحرام الذي بني لتقام فيه الصلوات لله وحده، وقد قال الله لإبراهيم عليه السلام وهو يؤسسه: «أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» الحج: 26.

 

وهذه الآية تبين أن الغاية الأولى من البيت الحرام هي تنقية العبادة من الشرك، وإقامة الصلاة والقيام والركوع والسجود لله وحده، ولذلك صار المسجد الحرام أول مسجد بني في الدنيا لتوحيد الله ونبذ الشركاء وتمحيص العبادة لرب العالمين.

 

ومن حق هذه الأولية، كما يقرر الشيخ الغزالي، ألا يشيد مسجد في العالم إلا اتجه إلى هذا البيت وشاركه غايته في التوحيد الخالص، ومن حقها كذلك أن ينهض كل قادر لزيارة هذا المسجد الذي صار قبلته حيًا وميتًا.

 

وقد ذكر القرآن هذه المعاني في قوله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ» آل عمران: 96، ثم قال سبحانه: «وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» آل عمران: 97.

 

كما جعل الله هذا البيت قبلة للأمة بقوله: «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ» البقرة: 144.

 

ومن أجل هذه المعاني تنبعث الوفود من المشارق والمغارب لترى البيت الذي تصلي إليه، وتطوف حوله طواف تقدير واحترام، لا لأن البيت يملك نفعًا أو ضرًا، بل لأنه رمز التوحيد الأول وموضع الطاعة التي أمر الله بها.

 

الطواف إعلان التوحيد ووفاء لذاكرة إبراهيم

 

حين يطوف الحجيج بالبيت الحرام، لا يقولون كلمات تعظم البناء أو الحجر، بل يرفعون شعار التوحيد الخالص: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، ويقولون: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».

 

وهنا يوضح الشيخ الغزالي أن الحجاج لا يعبدون البيت، وإنما يعبدون رب البيت، وأن الطواف كما قال العلماء صلاة لا بد لها من طهارة البدن وخلوص القلب لله، ومن زعم أن الكعبة كلها أو بعضها تضر أو تنفع فقد خرج عن حقيقة الإسلام.

 

ومن حق رب البيت أن يضع لعباده طريقة زيارة بيته وكيفية تعظيمه، فإذا جعلها طوافًا من 7 أشواط، فلا غرابة في ذلك، فالدنيا كلها تعرف طرائق متعددة في الاستقبال والتكريم والاستعراض، فكيف يستغرب أحد نظامًا تعبديًا شرعه الله لعباده.

 

ويضيف الشيخ الغزالي حكمة أخرى للطواف حول البيت العتيق، وهي أن الأمة الإسلامية بدأت دعوات حارة على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، حين رفعا القواعد من البيت وسألا الله أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة له.

 

وقد سجل القرآن دعاءهما في قوله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ» البقرة: 128، وهو دعاء يربط نشأة الأمة بالاستسلام لله والخضوع له وامتداد العبادة من الآباء إلى الأبناء إلى قيام الساعة.

 

ثم دعوا الله أن يبعث في هذه الأمة رسولًا يعلمها ويزكيها، فقال تعالى: «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ» البقرة: 129.

 

وقد استجاب الله هذا الدعاء بعد قرون طويلة ببعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، فصار البيت الحرام مرتبطًا بتاريخ الأمة من بدايته الأولى، ومرتبطًا برسالة الإسلام الخاتمة التي جاءت لتجدد التوحيد وتكمل بناء الهداية.

 

لذلك يسأل الشيخ الغزالي: إذا لم يحج المسلمون إلى البيت الذي بدأ عنده تاريخهم، فأين يحجون؟ وإذا لم يقصدوا البيت الذي كان نبيهم دعوة مخبوءة في ضمير إبراهيم عند بنائه، فأين يقصدون؟

 

فالكعبة بناء من حجر، ولا يغليها أن تكون من ذهب، ولا يرخصها أن تكون من خشب، لأن القيمة ليست في المادة التي صنعت منها، بل في المعنى الذي يحيط بها، وفي الرسالة التي أقيمت لأجلها، وفي الذكرى التي شدت الأمة إليها.

 

وإبراهيم عليه السلام رجل واحد في طاقته أمة، أحب الله من أعماق قلبه، وألقي في النار لحرصه على توحيده، وخاصم الملوك والجماهير لإعلاء هذه الحقيقة، وتنقل في الأرض داعيًا ومجادلًا حتى انتهى إلى هذا المكان ليقيم حصنًا للتوحيد.

 

وقد سأل إبراهيم ربه وهو يبني أن يجعل من عقبه أمة تحمي الحق وترفع رايته، فلما جاءت هذه الأمة كان طبيعيًا أن تهرع إلى المسجد الذي وضعه أبوها، وأن تهتف حوله بشعار التوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».

 

وبهذا المعنى تصبح تلبية الحجاج شهادة على نقاء العقيدة، لا مظهرًا من مظاهر الوثنية، ولذلك يرى الشيخ الغزالي أن اتهام هذه الوفود الموحدة بالوثنية سفاهة ظاهرة، لأنها جاءت تنفي الشريك وتعلن الخضوع لله وحده.

 

السعي ورمي الجمار وعرفة دروس للتوكل والطاعة ووحدة الأمة

 

ينتقل الشيخ الغزالي إلى المسعى بين الصفا والمروة، فيراه درسًا عظيمًا في التوكل على الله حين تضعف الأسباب أو تنعدم، فقد كانت هذه البقعة في زمن بعيد موحشة لا أنيس فيها ولا عمران، وجاء إبراهيم بامرأته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل ثم تركهما هناك بأمر الله.

 

وسألت هاجر إبراهيم عليه السلام في دهشة: أتتركنا هنا أنا وإسماعيل حيث لا زرع ولا ضرع ولا دار ولا ديار؟ فقال: نعم، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت كلمتها الخالدة: إذن لا يضيعنا.

 

وانصرف إبراهيم لا يدري ما الذي سيقع له ولا ما الذي سيقع لأسرته، لكنه نفذ ما أوحي إليه وحسب، ثم نفد الزاد والماء من هاجر، وجاءت الساعة الحرجة، فانطلقت الأم بين الربوتين تبحث عن غوث لطفلها الرضيع الذي أوشك على الهلاك.

 

ثم جاء الملك وفجر بئر زمزم، وحامت الطير حول الماء الدافق، وشعر الناس بما حدث، فأقبلوا على المكان يعمرونه، وهكذا أثمرت ثقة هاجر بالله خيرًا، ولم يخذلها الله بعدما آوت إليه وصدقت في توكلها عليه.

 

ويؤكد الشيخ الغزالي أن التوكل على الله مع ضعف الأسباب أو انعدامها زاد يحتاج إليه المجاهدون والمضطهدون في الأيام الكالحة، لأنه يسلمهم إلى غد رابح، بينما خسر المسلمون معارك كثيرة كانوا جديرين بكسبها لو استندوا إلى الله وقوي يقينهم.

 

ومن هنا يصبح السعي بين الصفا والمروة تمثيلًا حيًا لدرس هاجر، وليس مجرد حركة بين جبلين صغيرين، فالساعي ينبغي أن يعرف عقبى التوكل، وأن يدرك أن الثقة بالله لا تعني ترك العمل، بل تعني الحركة والبحث مع تفويض الأمر لله.

 

ثم ينتقل الشيخ إلى رمي الجمار، فيذكر ما قاله التاريخ من أن الشيطان اعترض إبراهيم عندما ترك أسرته بالوادي المقفر، وقال له: كيف تنفذ أمرًا فيه هلاك أهلك لأن الله أمرك؟ فقذفه إبراهيم بحصيات التقطها من التراب، فكانت سنة رمي الجمار بعد ذلك.

 

ومن هنا يصبح الرمي درسًا في مقاومة وسوسة الشيطان، ورفض التراجع أمام أمر الله، وتربية النفس على طرد خواطر الضعف والاعتراض حين يتعلق الأمر بالطاعة، فالمؤمن لا يرمي حجارة بلا معنى، بل يعلن رفضه للشيطان وطريقه.

 

ويقرر الشيخ الغزالي أن مناسك الحج تنمية لعواطف المسلمين نحو ربهم ودينهم وماضيهم وحاضرهم، فهي لا تفصل العبادة عن التاريخ، ولا تفصل الروح عن الجماعة، ولا تجعل المؤمن يعيش وحده، بل تضعه داخل أمة واحدة لها قبلة واحدة وشعار واحد.

 

ويكفي في الحج أنه يجمع المسلمين من أطراف الأرض شعثًا غبرًا، لا فرق بين ملك وسوقة، ولا بين جنس وجنس، ليقفوا في عرفة في مظاهرة هائلة، الهتاف فيها لله وحده، والرجاء في ذاته، والتكبير لاسمه، والضراعة بين يديه.

 

وفي عرفة يظهر فقر العبودية وغنى الربوبية، فمن قبل الشروق إلى ما بعد الغروب لا ذكر إلا لله، ولا طلب إلا منه سبحانه، وتذوب الفوارق بين الناس في موقف واحد يذكرهم بحقيقتهم الكبرى: أنهم عباد لله، وأن فضلهم بالتقوى لا بالمال ولا الجاه.

 

ومن الناحية الروحية، يكون الحج إذكاء للمشاعر وتجديدًا للعاطفة الإيمانية، ومن الناحية الاجتماعية، يكون فرصة ثمينة للتوجيهات الجامعة التي تكفل مصالح المسلمين العليا، ولذلك لا ينبغي أن يتحول إلى أداء فردي غافل عن قضايا الأمة وهمومها.

 

ولكي يبين الشيخ الغزالي هذا المعنى، يدعو إلى دراسة حج المسلمين في السنة 9 والسنة 10 للهجرة، ففي السنة 9 رجع الحجاج وقد تلقوا تعليمات بقطع علاقاتهم مع العابثين بمعاهداتهم، ومعاملتهم بالشدة بعدما فشل اللطف معهم.

 

وفي السنة 10 للهجرة وضعت تقاليد إنسانية وآداب عامة تضمنتها الخطبة الجليلة التي ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وفيها ظهرت معاني حفظ الدماء والأموال والحقوق، وتأكيد الأخوة، وإقامة المجتمع على العدل والتقوى.

 

وهكذا يبدو الحج مؤتمرًا عالميًا جامعًا، يجدد التوحيد، ويحيي ذكرى إبراهيم وهاجر وإسماعيل، ويربي الأمة على الطاعة والتوكل والوحدة ومقاومة الشيطان، ويذكر المسلمين بأن العبادة لا تنفصل عن إصلاح القلب ولا عن مصلحة الجماعة.

 

فيا له من موسم عظيم، لو وعى المسلمون دروسه وتأملوا عبره، ورأوا في كل شعيرة معنى يوقظ الإيمان، وفي كل موقف درسًا يعيد الأمة إلى ربها، ويجمع شتاتها، ويجدد عهدها بالتوحيد الخالص.