أعلنت دار الخدمات النقابية والعمالية، رفضها القاطع لقرار مد أجل الدورة النقابية الحالية لمجالس إدارات المنظمات النقابية العمالية لمدة 6 أشهر، بعد موافقة مجلس النواب عليه نهائيًا قبل انتهاء الدورة الحالية المقرر في 29 يونيو 2026.
وتكشف هذه الخطوة أن الحكومة لا تتعامل مع الانتخابات النقابية كحق للعمال في اختيار ممثليهم، بل كملف إداري قابل للتأجيل بقرار استثنائي، بينما تبقى النقابات تحت ضغط وزارة العمل والقانون رقم 213 لسنة 2017 ومواعيد موحدة لا تراعي استقلال كل منظمة.
مد استثنائي يضرب دورية الانتخابات
بدأت الأزمة بمشروع قانون يمد أجل الدورة النقابية الحالية 6 أشهر تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدتها القانونية، مع الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال هذه الفترة وقبل انتهائها بـ60 يومًا على الأقل، وهو ما قدمته الحكومة باعتباره حلًا تنظيميًا مؤقتًا لا تعطيلًا للانتخابات.
لكن دار الخدمات النقابية رأت أن القرار تدخل سافر في الشأن النقابي، لأنه يمد مجالس منتخبة بقرار من السلطة التشريعية والتنفيذية، لا بإرادة الجمعيات العمومية، كما يحول الاستحقاق الانتخابي من موعد قانوني ثابت إلى ورقة تؤجلها الحكومة كلما ظهرت مبررات إدارية.
وفي هذا المحور، تخدم قراءة كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، جوهر الاعتراض، لأن الدار التي يقودها اعتبرت أن الحقوق النقابية لا تدار بالقرارات الاستثنائية، وأن انتظام الانتخابات واحترام دوريتها من أهم ضمانات استقلال التنظيمات النقابية عن السلطة التنفيذية.
كما أشادت الدار بموقف النواب الرافضين للقرار، معتبرة أن اعتراضهم يمثل دفاعًا عن الحريات النقابية ورفضًا لتعطيل الاستحقاقات الانتخابية، وهي إشارة مهمة لأن الرفض لم يبق خارج البرلمان فقط، بل ظهر أيضًا داخل القاعة التي مررت القرار في النهاية بأغلبية.
مؤتمرات دولية تتحول إلى ذريعة سياسية
بررت الحكومة ومؤيدو القانون المد بأنه مرتبط بمؤتمر منظمة العمل العربية في مايو 2026 ومؤتمر منظمة العمل الدولية في يونيو 2026، وما يتطلبه ذلك من استعداد وتنظيم وتفرغ كامل لضمان تمثيل رسمي في هذه الفعاليات الإقليمية والدولية.
غير أن هذه الحجة تبدو هشة أمام حق العمال في الانتخابات، لأن المؤتمرات الدولية مواعيد معروفة مسبقًا وليست طارئًا مفاجئًا، كما أن تمثيل مصر خارجيًا لا يبرر تعطيل انتخاب ممثلي العمال داخليًا، ولا يجعل النقابات رهينة جدول الحكومة لا جدول جمعياتها العمومية.
وهنا يخدم موقف النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة، محور الاعتراض البرلماني، إذ أعلن رفضه مبدأ مد الدورة النقابية 6 أشهر وطالب بتقليص المدة إلى 3 أشهر، معتبرًا أن التأجيل بهذه الصيغة يحتاج إلى مراجعة أوسع لا تمرير سريع.
وفي المقابل، يخدم موقف محمد سعفان، رئيس لجنة القوى العاملة ووزير العمل الأسبق، زاوية الحكومة داخل التقرير، لأنه دافع عن القانون باعتباره يستهدف استقرار العمل النقابي وعلاقات العمل، لكن هذا الدفاع يكشف منطق السلطة الذي يساوي الاستقرار بتأجيل المنافسة الانتخابية.
قانون 213 يعيد إنتاج الوصاية
قالت دار الخدمات إن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بضيق الوقت أو تزامن الاستحقاقات، بل باستمرار المشكلات الجوهرية في قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017، وهو قانون طالبت الدار مرارًا بمراجعته عبر حوار مجتمعي يضم الأطراف المعنية.
وتقول الدار إن المواد المنظمة لشروط الترشح والانتخاب ما زالت تنتقص من صلاحيات الجمعيات العمومية، وتفرض قيودًا على حق النقابات في وضع لوائحها وتنظيم شؤونها الداخلية بحرية، بما يتعارض مع مبادئ الحرية والاستقلال النقابي التي يفترض أن يحميها القانون.
كما يفتح موقف المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمنظمات الموقعة على نداء رفض المد زاوية دستورية واضحة، فقد استندت إلى المادة 76 من الدستور التي تكفل إنشاء النقابات على أساس ديمقراطي، وتؤكد استقلالها، وتحظر حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي.
وبذلك يصبح المد ليس إجراء زمنيًا معزولًا، بل جزءًا من مشكلة أوسع في بنية التنظيم النقابي، فالحكومة لا تترك للعمال حق إدارة مواعيدهم ولوائحهم واختيار ممثليهم بحرية، ثم تطلب منهم اعتبار التمديد حماية للاستقرار لا وصاية على إرادتهم.
التوقيت الموحد يخنق التعددية النقابية
انتقدت دار الخدمات استمرار فرض الانتخابات النقابية في توقيت موحد على كل المنظمات، رغم اختلاف ظروفها وتواريخ تأسيسها وأوضاعها الداخلية، معتبرة أن ذلك يعيد إنتاج نمط إداري مركزي لا يتسق مع التعددية النقابية التي أقرها القانون نفسه بعد سنوات من الصراع.
ويعني التوقيت الموحد أن الدولة تنظر إلى النقابات ككتلة إدارية واحدة، لا كمنظمات مستقلة تختلف قواعدها واحتياجاتها وأوضاعها، وهذا يفرغ فكرة التعددية من مضمونها، لأن التعددية لا تقاس بعدد النقابات فقط، بل بقدرتها على إدارة شؤونها دون وصاية.
ثم جددت الدار مطالبتها بإنهاء أي وصاية إدارية أو إشراف مباشر من وزارة العمل على العملية الانتخابية، لأن نزاهة الانتخابات لا تتحقق عندما تقف الجهة التنفيذية في قلب تفاصيل الدعوة والإجراءات والفرز، خاصة في بيئة عمالية تعاني أصلًا من ضعف الحماية النقابية.
وفي هذا السياق، تصبح مطالبة أكثر من 200 قيادة حزبية وعمالية برفض المد مؤشرًا على اتساع القلق داخل الوسط العمالي، لأن الاعتراض لم يأت من مؤسسة واحدة، بل من تيار واسع رأى أن القرار يكرس نهج التدخل الإداري بدل معالجة قانون 213.
حق العمال لا ينتظر إذن الحكومة
تقول الحكومة إن المد مؤقت، لكن المؤقت في الملفات النقابية يتحول سريعًا إلى قاعدة سياسية، فكل تأجيل يضعف ثقة العمال في جدوى التصويت، ويمنح المجالس القائمة وقتًا إضافيًا بلا تفويض جديد، ويؤجل فرصة المحاسبة التي تمثل جوهر أي انتخابات حرة.
كما أن العامل الذي يواجه غلاء الأجور وضعف الحماية وفصلًا تعسفيًا ومفاوضات جماعية محدودة لا يحتاج إلى نقابة ممددة بقرار من أعلى، بل يحتاج إلى ممثلين منتخبين في موعد واضح، قادرين على مساءلة الإدارة والدولة لا انتظار تعليماتهما.
ولهذا تبدو عبارة دار الخدمات في ختام بيانها حاسمة، فالحق في التنظيم النقابي لا يتحقق عبر مد الفترات الانتخابية، بل عبر بيئة قانونية ديمقراطية تكفل للعمال تكوين منظماتهم وإدارتها بحرية، وإجراء انتخابات دورية نزيهة دون تدخل أو تأجيل.
وفي النهاية، لا يضرب مد الدورة النقابية موعد انتخابات فقط، بل يضرب الفكرة نفسها، فالنقابة التي تمددها الدولة باسم التنظيم تفقد جزءًا من استقلالها، والعامل الذي يمنع من التصويت في موعده يفقد أداة أساسية للدفاع عن أجره وكرامته وحقه في التمثيل.

