كشفت وزارة المالية في مصر أن منتج سند المواطن حقق حصيلة ادخارية تجاوزت 6.7 مليار جنيه منذ إطلاقه عبر مرحلتين، بعدما جذبت المرحلة الأولى نحو 5.7 مليار جنيه عبر مكاتب البريد المصري، وأضافت المرحلة الثانية أكثر من مليار جنيه، في نتيجة تعكس اتساع إقبال الأفراد على أدوات الدين الحكومية.

 

وتأتي هذه الحصيلة بينما يواجه المواطنون ضغوطًا معيشية متواصلة بسبب ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، لذلك لا يظهر سند المواطن كأداة ادخار محايدة فقط، بل كاشفًا لطريقة حكومة تلجأ إلى مدخرات الأسر لتمويل احتياجاتها، بدل فتح نقاش جاد حول كلفة الدين وحياة المواطنين اليومية.

 

عائد مرتفع عبر البريد يفتح الباب لصغار المدخرين

 

طرحت وزارة المالية سند المواطن بعائد سنوي يصل إلى 17.75%، وبقيمة اسمية تبدأ من ألف جنيه ومضاعفاتها، عبر شبكة مكاتب البريد المنتشرة في المحافظات، في محاولة للوصول إلى شرائح لا تتعامل عادة مع البنوك، ولا تملك خبرة واسعة في أدوات الاستثمار التقليدية.

 

وبحسب تصريحات نيفين منصور، مستشار وزير المالية لعلاقات المؤسسات الاقتصادية، جرى طرح المنتج على مرحلتين، ونجحت المرحلة الأولى عبر البريد المصري في جذب نحو 5.7 مليار جنيه، ثم جاءت المرحلة الثانية بحصيلة إضافية تجاوزت مليار جنيه، مع اتجاه حكومي للتوسع في الترويج عبر بنوك الاستثمار.

 

ويمنح اختيار البريد المنتج ميزة انتشار واضحة خارج القاهرة الكبرى، لأن مكاتب البريد موجودة في المدن والقرى والمراكز، بينما تتركز خدمات الاستثمار المصرفي غالبًا في المناطق الحضرية، ولذلك تستخدم الحكومة هذا الانتشار لتقديم السند باعتباره أداة شمول مالي وليست أداة دين فقط.

 

غير أن سهولة الوصول لا تلغي السؤال الأساسي عن طبيعة المنتج، فالمواطن لا يشتري مشروعًا إنتاجيًا ولا يشارك في ملكية أصل حقيقي، بل يقرض الحكومة أمواله مقابل عائد شهري، وهو ما يحول المدخر الصغير إلى ممول مباشر لاحتياجات الموازنة العامة.

 

وفي هذا المحور، يرى الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن سند المواطن نسخة مبسطة من أدوات الدين الحكومية التقليدية، ومصمم لصغار المدخرين بطريقة أكثر سهولة، لكنه يربط بين حاجة الدولة للتمويل وحاجة الأسر لحماية دخلها.

 

وتبرز أهمية رأي عبد المنعم السيد لأنه يضع السند داخل معادلة اجتماعية واقتصادية واحدة، فالأسر تبحث عن دخل شهري يحميها من التضخم، والدولة تبحث عن تمويل محلي، لكن العدالة تقتضي ألا تتحول حاجة المواطن إلى دخل ثابت إلى غطاء لتضخم الدين العام.

 

حصيلة الادخار تكشف أزمة أوسع في تمويل الموازنة

 

تسوق وزارة المالية سند المواطن باعتباره منتجًا ادخاريًا آمنًا، لكن الحصيلة التي تجاوزت 6.7 مليار جنيه تكشف أيضًا حجم الاعتماد الحكومي على أدوات الاقتراض المحلي، حيث تتحول السيولة الموجودة لدى الأفراد إلى مصدر تمويل مباشر، بدل أن تذهب إلى مشروعات إنتاجية تخلق وظائف وتحسن الدخول.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي الاحتفاء بالإقبال الشعبي على المنتج، لأن زيادة المدخرات داخل أداة حكومية لا تعني تلقائيًا تحسن الاقتصاد الحقيقي، فالأسر التي تضع أموالها في السند قد تبحث عن عائد يحميها من الغلاء، وليس عن ثقة كاملة في إدارة السياسات المالية.

 

كما أن العائد المرتفع يخلق التزامًا واضحًا على الموازنة العامة، لأن الحكومة مطالبة بسداد الفوائد شهريًا ثم رد أصل الأموال عند الاستحقاق، وبالتالي تتحول الأداة من فرصة ادخارية للأفراد إلى بند إضافي ضمن كلفة الدين التي تضغط أصلًا على الإنفاق العام.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير المالي محمد عبد الحكيم إن السند قد يشهد إقبالًا مرتفعًا بسبب الأمان الحكومي وصرف العائد شهريًا وسهولة الاسترداد، وهي عناصر تجعل المنتج جاذبًا للأسر التي تعتمد على العوائد الادخارية كدخل إضافي في مواجهة التضخم.

 

وتكشف هذه القراءة جانبًا مهمًا من سلوك المواطنين، فالإقبال لا يعني بالضرورة تحسن الثقة في السياسات الاقتصادية، بل يعكس بحث الأسر عن ملاذ مضمون وسط سوق مضطرب، وأسعار متحركة، وفرص استثمار لا تناسب أصحاب المدخرات الصغيرة أو أصحاب الدخل المحدود.

 

ومن هنا يظهر التناقض في الخطاب الحكومي، فالدولة تتحدث عن الشمول المالي وتوسيع قاعدة المستثمرين، لكنها لا تقدم إجابة كافية عن سبب احتياج المواطن إلى عائد مرتفع حتى يحافظ فقط على قيمة مدخراته، ولا تشرح كيف ينعكس ذلك على حياة كريمة مستقرة.

 

الشمول المالي لا يغطي كلفة الدين ولا يغني عن الإنتاج

 

تقول وزارة المالية إن المرحلة المقبلة ستشهد توسعًا في الترويج لسند المواطن عبر بنوك الاستثمار، بهدف رفع معدلات الإقبال وتعزيز الوعي بأدوات الادخار الآمن، غير أن توسيع الترويج لا يجيب وحده عن سؤال أثر هذه الأدوات على تكلفة الدين العام.

 

وتحاول الحكومة جذب السيولة المحلية إلى أدوات استثمارية آمنة لتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي، وهو هدف مفهوم من زاوية إدارة المخاطر، لكنه يصبح ناقصًا إذا ظل الاقتصاد يعتمد على الاقتراض وإعادة تدوير الديون بدل توسيع الإنتاج والتشغيل والصادرات.

 

ويرى خبير الاقتصاد وأسواق المال مصطفى شفيع أن سند المواطن قادر على امتصاص جزء من استحقاقات الشهادات البنكية مرتفعة العائد، خصوصًا مع توفير عائد جاذب مقارنة بالبدائل المطروحة، كما يضع الأموال مباشرة لدى الدولة باعتبارها أداة دين سيادية.

 

وتخدم قراءة مصطفى شفيع محور السيولة، لأنها تشرح لماذا قد يفضل المدخرون السند على الذهب أو البورصة أو الشهادات، لكن الوظيفة الاجتماعية لأي أداة ادخار لا تكتمل بمجرد امتصاص السيولة، بل تقاس بقدرتها على عدم تحميل المواطنين كلفة دين أعلى لاحقًا.

 

كذلك يربط خبراء بين نجاح السند وقدرة الحكومة على خفض الاعتماد على الأموال الساخنة والمصادر الخارجية، غير أن التمويل المحلي نفسه ليس مجانيًا، لأن عائد 17.75% يمثل تكلفة يجب دفعها من الموازنة، أي من الضرائب والإيرادات العامة في النهاية.

 

وفي المقابل، يحتاج المواطن إلى سياسة مالية لا تقدم له العائد كبديل عن الأجر العادل والخدمة العامة، لأن الدخل الشهري من سند ادخاري لا يعوض تراجع الإنفاق على الصحة والتعليم والنقل، ولا يصنع وحده حياة كريمة لأصحاب الدخول الضعيفة.

 

وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تقدم الحكومة المنتج باعتباره إنجازًا في الشمول المالي، بينما يظل السؤال مفتوحًا حول من يتحمل كلفة الفوائد، وكيف ستمنع وزارة المالية تراكم أعباء جديدة على الموازنة، خصوصًا مع استمرار الضغوط على خدمة الدين العام.

 

لذلك، فإن سند المواطن قد يكون أداة نافعة لصغار المدخرين على المدى القصير، لكنه لا يصلح كعنوان لسياسة اقتصادية عادلة إذا ظل منفصلًا عن إصلاح أوسع يحد من الاقتراض، ويدفع التمويل نحو الصناعة والزراعة والتشغيل المنتج.

 

وفي الخلاصة، تكشف حصيلة سند المواطن نجاحًا رقميًا لوزارة المالية، لكنها تكشف أيضًا أزمة أعمق في اقتصاد يحتاج إلى السيولة من جيوب المواطنين، ويقدم العائد المرتفع كطمأنة، بينما ينتظر الناس سياسة تضمن دخلًا حقيقيًا وخدمات مستقرة وفرص عمل لا مجرد سند جديد بفائدة شهرية.