أعلنت حركة فتح الفلسطينية في رام الله انطلاق مؤتمرها العام لمدة ثلاثة أيام بمشاركة نحو 2580 عضوًا لانتخاب 18 عضوًا في اللجنة المركزية و80 عضوًا في المجلس الثوري، في أول انعقاد من هذا النوع منذ عشر سنوات، بما يعيد تشكيل قيادة الحركة ويفتح الباب مجددًا أمام تصاعد الجدل بشأن موقع نجل الرئيس محمود عباس داخل بنية القرار التنظيمي والسياسي.
كما يضع المؤتمر مسألة صعود ياسر عباس في قلب أزمة الشرعية داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية، لأن الدفع باسم مرتبط مباشرة بالرئيس الذي يتولى السلطة منذ أكثر من عشرين عامًا لا يبدو تجديدًا سياسيًا بقدر ما يعكس تمسك الدائرة الحاكمة بإدارة ملف الخلافة داخل نطاق ضيق، بعيدًا عن نقاش علني يراعي تراجع شعبية الحركة وتآكل ثقة الفلسطينيين بمؤسساتها.
مؤتمر مؤجل منذ عشر سنوات يعيد طرح سؤال القيادة داخل فتح
انطلقت أعمال المؤتمر العام لحركة فتح في رام الله بالضفة الغربية المحتلة، مع عقد جلسات متزامنة في قطاع غزة والقاهرة وبيروت، في مشهد أرادت الحركة من خلاله إظهار تماسكها التنظيمي واتساع حضورها الجغرافي، رغم أن هذا المؤتمر يأتي بعد انقطاع دام عشر سنوات كاملة عن آخر انعقاد مماثل.
وبحسب وكالة الأنباء الفلسطينية وفا، يشارك في المؤتمر نحو 2580 عضوًا، في استحقاق تنظيمي يستهدف انتخاب 18 عضوًا للجنة المركزية التي تمثل الهيئة التنفيذية للحركة، إلى جانب 80 عضوًا في المجلس الثوري الذي يشكل ما يشبه برلمان فتح الداخلي، وهو ما يجعل المؤتمر محطة أساسية في إعادة ترتيب مراكز النفوذ.
لكن تأخر انعقاد المؤتمر طوال هذه المدة لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة إجرائية فقط، لأن حركة بحجم فتح يفترض أن تجدد مؤسساتها على نحو دوري ومنتظم، بينما يكشف هذا التأخير عن خلل متراكم في إدارة الحياة الداخلية للحركة، وعن عجز واضح في حسم التوازنات والصراعات بين أجنحتها المختلفة.
وفي هذا السياق، قالت تهاني مصطفى، المحاضرة في العلاقات الدولية في كينغز كوليدج لندن، إن حركة فتح منقسمة إلى ثلاثة أو أربعة تيارات متميزة، موضحة أن الأسماء المتداولة لعضوية اللجنة المركزية قد تبدو جديدة في الظاهر، لكن غالبية المرشحين المتوقع صعودهم لا تزال تنتمي إلى الحرس القديم أكثر من انتمائها إلى مسار إصلاحي فعلي.
لذلك يبدو الحديث عن ضخ دماء جديدة داخل الحركة محدود الأثر، لأن معيار التغيير لا يقاس فقط بعمر المرشحين أو وجوههم، بل بطبيعة السياسات التي يحملونها ومدى استعدادهم لتعديل آليات القرار، وهو ما لا تظهر مؤشراته بوضوح في مؤتمر ينعقد تحت هيمنة القيادة ذاتها التي أدارت مرحلة التراجع الحالية.
صعود ياسر عباس يوسع الجدل حول التوريث السياسي داخل السلطة
ثم يفرض اسم ياسر عباس نفسه على نقاشات المؤتمر باعتباره أحد أبرز العناوين غير المعلنة لهذا الاستحقاق التنظيمي، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن محمود عباس يعتزم الدفع بابنه نحو موقع رفيع داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية، في خطوة تعيد إحياء اتهامات التوريث داخل مؤسسة يفترض أنها تقوم على التمثيل الوطني لا الروابط العائلية.
ويكتسب هذا الجدل حساسية مضاعفة لأن الرئيس محمود عباس يتولى السلطة منذ أكثر من عشرين عامًا، بينما لم تتحول مسألة خلافته إلى ملف مؤسسي واضح داخل الحركة أو داخل السلطة الفلسطينية، الأمر الذي يجعل أي محاولة لرفع مكانة نجله السياسية تبدو امتدادًا لاحتكار القرار أكثر من كونها نتيجة لمسار تنظيمي شفاف.
كما أن الدفع بياسر عباس إلى موقع متقدم داخل فتح لا يأتي في لحظة استقرار تنظيمي أو شعبي، بل في وقت تواجه فيه الحركة تراجعًا ملموسًا في نفوذها وصورتها العامة، وهو ما يجعل هذه الخطوة مادة إضافية لانتقاد قيادة تبدو منشغلة بترتيب البيت الداخلي لصالحها، بدلًا من مواجهة أسباب التراجع السياسي والتنظيمي.
ومن ثم، فإن أي حديث عن تجديد القيادة يفقد جزءًا كبيرًا من صدقيته حين يقترن بإبراز أسماء قريبة من مركز السلطة لا من القاعدة التنظيمية، لأن كوادر فتح التي تنتظر مراجعة حقيقية لأسلوب الإدارة لن ترى في هذا المسار إلا تعزيزًا لفكرة أن الوصول إلى المواقع العليا يمر عبر القرب من الرئيس لا عبر التنافس المفتوح.
وبناء على ذلك، تتحول الانتخابات الداخلية من فرصة لإعادة بناء الثقة إلى مناسبة تكشف حدود الإصلاح المتاح، إذ إن صعود شخصيات مرتبطة مباشرة بالعائلة الرئاسية يرسل إشارة سياسية سلبية إلى الداخل الفلسطيني، مفادها أن الحركة لا تستعد لمرحلة تداول منظم للسلطة بقدر ما تعيد ترتيب الخلافة داخل الحلقة ذاتها.
تراجع شعبية فتح يضع المؤتمر أمام اختبار الشرعية والتمثيل
لاحقًا، لا يمكن قراءة هذا المؤتمر بمعزل عن التراجع الطويل في شعبية حركة فتح، فالحركة التي شكلت تاريخيًا العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية فقدت خلال العقود الأخيرة جانبًا مهمًا من نفوذها نتيجة الانقسامات الداخلية المستمرة، والمنافسة الصاعدة من حركة حماس، والإحباط الشعبي من انسداد عملية السلام مع إسرائيل.
ويظهر هذا التآكل بوضوح في الفجوة المتزايدة بين خطاب القيادة ومزاج الشارع الفلسطيني، إذ لم تعد قطاعات واسعة من الفلسطينيين ترى في فتح القوة القادرة على تجديد المشروع الوطني أو فرض معادلة سياسية مختلفة، خصوصًا في ظل استمرار الخطاب التقليدي نفسه وتكرار الوجوه ذاتها في مراكز القرار.
كذلك، فإن المؤتمر الحالي لا يغير وحده هذا الواقع ما لم ينتج مراجعة سياسية وتنظيمية تتجاوز توزيع المقاعد داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري، لأن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بمن يفوز بعضوية الهيئات القيادية، بل بكيفية استعادة الثقة في مؤسسة تراجعت قدرتها على الإقناع والتمثيل والتعبئة الشعبية.
وفي هذا الإطار، تبدو فتح أمام اختبار مزدوج، فمن جهة تريد أن تقدم نفسها بصفتها الحركة التاريخية الأكبر داخل النظام السياسي الفلسطيني، ومن جهة أخرى تواجه واقعًا يشير إلى أن رمزية التاريخ لم تعد كافية لتعويض ضعف الأداء السياسي وتكرار الأزمات الداخلية وتأجيل الحسم في قضايا القيادة والخلافة.
وأخيرًا، يكشف مؤتمر فتح في رام الله أن الحركة تقف أمام لحظة شديدة الحساسية، لأن انتخاب قيادة جديدة في ظل صعود محتمل لياسر عباس وتقدم الحرس القديم لا يعالج تلقائيًا أزمة الشرعية، بل قد يكرس الانطباع بأن المؤسسة تعيد إنتاج نفسها بينما يواصل الشارع الفلسطيني البحث عن تمثيل أكثر وضوحًا وقدرة على الاستجابة.

