عاد ملف منخفض القطارة إلى واجهة النقاش العام بعد التصريحات الحكومية الأخيرة التي ألمحت إلى عدم استخدام المياه في المشروع، وهو ما اعتبره كثيرون تراجعًا جديدًا في واحد من أكثر المشروعات المصرية إثارة للجدل منذ عقود.
فالمشروع الذي طُرح تاريخيًا كأحد الحلول التنموية الكبرى، سواء في مجال توليد الطاقة أو إعادة رسم الخريطة العمرانية والاقتصادية في الصحراء الغربية، ظل أسير الدراسات والاقتراحات والتصريحات المتضاربة، من دون أن يخرج إلى حيز التنفيذ.
وبينما تتبدل الحكومات والرؤى، يبقى السؤال قائمًا: لماذا فشلت الدولة حتى الآن في تنفيذ أي مقترح عملي بشأن منخفض القطارة؟ ولماذا يبدو الخطاب الرسمي في كل مرة أقل طموحًا من السابق؟ في هذا التقرير، نرصد أبعاد الإخفاق الحكومي، ونستعرض آراء خبراء حقيقيين انتقدوا تعثر الملف، خاصة في ضوء التراجع الأخير المرتبط بعدم استخدام المياه في المشروع.
مشروع تاريخي لم يغادر الأدراج
يُعد منخفض القطارة من أبرز المواقع الجغرافية الفريدة في مصر، إذ يقع في الصحراء الغربية وينخفض عن مستوى سطح البحر بما يجعله مادة خصبة لمشروعات كبرى طُرحت منذ أوائل القرن العشرين. وقد ارتبط اسمه على مدى عقود بمقترحات متعددة، كان أبرزها إدخال مياه البحر المتوسط إليه عبر قناة أو أنفاق، بهدف استغلال فرق المنسوب في توليد الكهرباء، أو خلق بيئة تنموية جديدة قد تسهم في تخفيف الضغط السكاني عن وادي النيل.
ورغم كثرة الدراسات المحلية والدولية التي تناولت الفكرة، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في الانتقال من مرحلة التصور النظري إلى التنفيذ الفعلي. وبمرور الوقت، تحوّل المشروع من حلم قومي محتمل إلى مثال متكرر على غياب الحسم السياسي والتنموي، خصوصًا مع كل موجة تصريحات جديدة تعيد طرحه ثم تعود لتقليص سقف التوقعات.
التصريحات الأخيرة تكشف أزمة رؤية
التصريحات الأخيرة التي أفادت بعدم استخدام المياه في مشروع منخفض القطارة أثارت انتقادات واسعة، لأنها في نظر متابعين كثيرين لا تعني فقط تعديلًا تقنيًا، بل تعكس غياب رؤية متماسكة تجاه المشروع من الأساس. فالفكرة الجوهرية التي قام عليها المشروع تاريخيًا كانت مرتبطة بالمياه، سواء عبر التوليد الكهرومائي أو إعادة تشكيل المجال العمراني والبيئي في المنطقة.
ولذلك، فإن إعلانًا من هذا النوع يوحي بأن الحكومة لم تعد تتعامل مع منخفض القطارة باعتباره مشروعًا استراتيجيًا ذا طبيعة واضحة، بل كملف قابل لإعادة التعريف باستمرار من دون التزام بخطة معلنة أو جدول زمني أو حتى إطار تنفيذي محدد. وهذا ما يفسر تصاعد الانتقادات من متخصصين رأوا أن الدولة لم تفشل فقط في التنفيذ، بل فشلت أيضًا في تثبيت مفهوم واضح للمشروع نفسه.
د. جمال حمدان ورؤية مبكرة أهدرتها الدولة
رغم أن المفكر والجغرافي المصري الراحل الدكتور جمال حمدان لم يكن جزءًا من الجدل الحالي، فإن كتاباته وتحليلاته حول الجغرافيا السياسية والتنمية في مصر ظلت حاضرة في النقاش حول المشروعات الكبرى غير المستغلة. وقد أشار في أكثر من موضع إلى أن مصر ظلت عاجزة عن توظيف ميزاتها الجغرافية توظيفًا استراتيجيًا، وأن غياب الرؤية الشاملة يحول الكثير من الإمكانات الطبيعية إلى فرص ضائعة.
ويستدعي بعض الباحثين أفكار حمدان عند الحديث عن منخفض القطارة باعتباره نموذجًا صارخًا على سوء استثمار المجال الجغرافي. فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب الفكرة، بل في غياب الإرادة المؤسسية القادرة على تحويل الفكرة إلى سياسة عامة مستدامة.
د. ممدوح حمزة: التردد الحكومي أضاع فرصًا تنموية
المهندس الاستشاري الدكتور ممدوح حمزة يُعد من الأسماء التي تحدثت في مناسبات مختلفة عن أهمية المشروعات القومية ذات الطابع البنيوي، ومن بينها مشروعات إعادة توزيع السكان والتنمية خارج الوادي الضيق. وقد انتقد أكثر من مرة غياب التخطيط طويل الأمد في إدارة المشروعات الكبرى، معتبرًا أن التردد الحكومي والتعامل الموسمي مع الملفات الاستراتيجية يؤديان إلى إهدار فرص حقيقية.
وفي سياق منخفض القطارة، يرى حمزة أن أي تراجع عن التصورات الأساسية للمشروع، وخصوصًا ما يتعلق بالمياه، يعني عمليًا نسف المبرر الرئيسي الذي أعطاه ثقله التاريخي. ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن مشروع بلا ماء يبدو، في نظر منتقديه، أقرب إلى إفراغ الفكرة من مضمونها بدل تطويرها.
د. هاني النقراشي: التنمية لا تُدار بالشعارات
الخبير المصري الدولي في الطاقة الدكتور هاني النقراشي شدد في أكثر من مناسبة على أن مشروعات الطاقة والتنمية الكبرى يجب أن تقوم على دراسات شفافة وإرادة تنفيذية حقيقية، لا على مجرد الطرح الإعلامي. ورغم أن النقراشي لم يرتبط حصريًا بملف منخفض القطارة، فإن مواقفه العامة من إدارة الدولة لملفات الطاقة تعكس انتقادًا واضحًا للفجوة بين الإعلان والتنفيذ.
ومن زاوية فنية، فإن أي حديث عن تطوير منخفض القطارة بعيدًا عن الاستخدام المدروس للمياه والطاقة يطرح تساؤلات حول الجدوى النهائية للمشروع. فالتنمية، بحسب هذا المنطق، لا تتحقق بإعادة تدوير الأفكار القديمة في صيغ سياسية متبدلة، بل بخطط واضحة قابلة للقياس والتنفيذ.
د. نادر نور الدين: غياب الأولويات يربك القرار
أما الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية، فقد عُرف بانتقاداته الصريحة لغياب ترتيب الأولويات في عدد من الملفات القومية المرتبطة بالمياه والتنمية. ومن منظور خبير في الموارد، فإن أي مشروع يرتبط بإعادة تشكيل المجال الصحراوي يجب أن يُبنى على أسس علمية دقيقة، مع وضوح في الهدف النهائي: هل هو مشروع طاقة؟ أم عمران؟ أم زراعة؟ أم مزيج من ذلك كله؟
الارتباك الحكومي في تقديم إجابة حاسمة على هذا السؤال هو، في رأي كثير من المتابعين، جوهر الأزمة الحالية. فالتخلي عن عنصر المياه بعد سنوات من طرحه كمكون رئيسي لا يبدو مجرد تعديل، بل اعترافًا ضمنيًا بأن الحكومة لم تستقر أصلًا على طبيعة المشروع الذي تريد تنفيذه.
الإخفاق ليس فنيًا فقط بل سياسي وإداري
ما يكشفه مسار منخفض القطارة أن الأزمة لا تتعلق فقط بصعوبة التنفيذ أو ارتفاع التكلفة أو تعقيد الدراسات البيئية والهندسية، بل تمتد إلى بنية صنع القرار نفسها. فالحكومات المتعاقبة لم تُنتج حتى الآن إطارًا مؤسسيًا واضحًا يحدد الجهة المسؤولة، وخريطة التمويل، والجدول الزمني، ونموذج الشراكة، ومآلات المشروع إذا تغيرت الظروف.
كما أن التعامل مع الملف اتسم غالبًا برد الفعل، لا بالفعل الاستراتيجي. وبدل أن تكون هناك سياسة متدرجة تبدأ بدراسة محدثة ثم إعلان نتائجها ثم طرح بدائل واضحة للرأي العام، ظل المشروع يتحرك في دائرة مغلقة من التصورات غير الملزمة.
هل انتهى الحلم أم ما زالت الفرصة قائمة؟
رغم كل هذا التعثر، لا يزال بعض الخبراء يرون أن الفرصة لم تُغلق بالكامل، لكن إنقاذ الفكرة يتطلب تغييرًا جذريًا في طريقة إدارتها. فبدل الاكتفاء بتصريحات عامة أو إعادة طرح المشروع بصيغ منقوصة، تحتاج الدولة إلى حسم علمي وسياسي: إما إعلان التخلي الكامل عن المشروع مع شرح الأسباب للرأي العام، أو العودة إليه بخطة حقيقية تستند إلى دراسات محدثة ومعلنة.
وفي ظل التراجع الأخير عن استخدام المياه، تبدو الحكومة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتفسير موقفها بوضوح، لأن استمرار الغموض لا يعني سوى تكريس صورة المشروع المؤجل إلى ما لا نهاية.
وفي النهاية أثبتت تجربة منخفض القطارة أن امتلاك الأفكار الكبرى لا يكفي وحده لتحقيق التنمية، ما لم تقترن برؤية واضحة وإدارة حاسمة وإرادة تنفيذية مستمرة. فالحكومة، وفق ما يراه كثير من الخبراء والمتابعين، لم تفشل فقط في تنفيذ أي مقترح بشأن المنخفض، بل فشلت أيضًا في الحفاظ على اتساق خطابها حوله. ومع التصريحات الأخيرة التي استبعدت استخدام المياه، يتعزز الانطباع بأن الدولة تتراجع عن جوهر المشروع بدل أن تبحث عن سبل واقعية لتنفيذه. وهكذا يبقى منخفض القطارة، حتى إشعار آخر، عنوانًا لمشروع كبير خسرته السياسة قبل أن تختبره الهندسة.

