كشفت بيانات التسجيل الرسمية وشكاوى المتعاملين في مصر اتساع نشاط السمسرة العقارية غير المرخصة عبر منصات رقمية وصفحات تواصل تروج لمشروعات غير معتمدة، ما زاد مخاطر النصب على المواطنين والمستثمرين وأربك الثقة في السوق العقاري.

 

وتأتي الأزمة في سياق أوسع صنعته حكومة السيسي حين تركت العقار يتحول إلى ملاذ ادخار بديل للمواطنين بعد تآكل قيمة الجنيه، ثم عجزت عن ضبط الوسطاء والإعلانات والبيانات قبل ضياع المدخرات.

 

منصات رقمية بلا تحقق تبيع الوهم قبل الوحدة

 

في البداية، فتحت صفحات التواصل بابا واسعا أمام وسطاء غير مرخصين يعرضون وحدات ومشروعات بصور جذابة وأسعار أولية، بينما لا يحصل المشتري غالبا على دليل رسمي يثبت الترخيص أو ملكية الأرض أو سلامة التعاقد.

 

ثم تحولت الإعلانات العقارية الرقمية إلى سوق موازية لا تخضع لفحص مسبق، لأن الصفحة تستطيع تغيير اسمها أو حذف منشوراتها بعد جمع مقدمات الحجز، بينما يظل المواطن وحده في مواجهة عقد ضعيف أو إيصال غير كاف.

 

كما ساعدت كثافة الحملات الممولة على خلط الشركات الجادة بصفحات عابرة تستخدم أسماء متشابهة وشعارات مضللة، فيجد العميل نفسه أمام وعد بالتسليم والعائد الاستثماري، من دون وسيط معروف أو سجل مهني قابل للتحقق.

 

وعلى هذا الأساس، لم تعد المشكلة مجرد سمسار يبحث عن عمولة، بل صارت سلسلة كاملة تبدأ بإعلان غير موثق وتنتهي بتنازل أو إيصال أو استمارة حجز لا تكشف الطرف الحقيقي المسؤول أمام القضاء.

 

كذلك يضاعف غياب الربط بين الجهات المعنية الخطر، لأن المواطن لا يستطيع عبر خطوة واحدة أن يعرف موقف المشروع من الترخيص، وموقف الوسيط من القيد، وموقف الشركة من الضرائب، وسجل الشكاوى المرتبطة بها.

 

في هذا المحور، تخدم شهادة أيمن سامي مدير مكتب جيه إل إل مصر فهم الخلفية السوقية، إذ ربط تباطؤ العقار بارتفاعات سعرية وضغوط على القدرة الشرائية، وهي بيئة تدفع المشترين للبحث عن عروض أرخص وأكثر خطورة.

 

لذلك تستغل المنصات الوهمية خوف المواطن من ارتفاع الأسعار، فتبيع له فرصة عاجلة قبل مراجعة الأوراق، بينما تستفيد من مناخ اقتصادي صنعته الحكومة بسياسات تضخم وفائدة مرتفعة وترك السوق بلا إنذار رقمي واضح.

 

سجل موجود ورقابة غائبة

 

من الناحية القانونية، يلزم قانون 21 لسنة 2022 العاملين في السمسرة العقارية بالقيد في سجل رسمي، كما تربط الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات القيد بأعمال البيع والشراء والتأجير والتوسط في العقارات.

 

لكن وجود السجل لم يمنع توسع السماسرة غير المقيدين، لأن الحكومة لم تحوله إلى أداة يومية في يد المواطن، ولم تفرض على كل إعلان رقمي رقم قيد ظاهر ورابط تحقق مباشر قبل نشر العرض.

 

وبالتالي، صار القانون حبرا ثقيلا على الورق وخفيفا في الشارع، لأن الوسيط غير المرخص يستطيع العمل عبر هاتف وصفحة ومنشور ممول، بينما لا تظهر الدولة إلا بعد وقوع الضرر وتعدد البلاغات.

 

هنا تخدم شهادة علاء فكري، نائب أول رئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات بجمعية رجال الأعمال المصريين، محور التسجيل، إذ قال إن 95% من عقارات مصر غير مسجلة، ودعا إلى منظومة إلكترونية متكاملة.

 

وتكشف هذه النسبة حجم الفراغ الذي تتحرك فيه السمسرة غير المرخصة، لأن العقار غير المسجل يضعف قدرة المشتري على الفحص، ويمنح الوسطاء مساحة لتضخيم الوعود وإخفاء المخاطر داخل أوراق عرفية معقدة.

 

كما أشار فكري إلى أن البيروقراطية وطول الإجراءات من أسباب ضعف التسجيل، وهي نقطة تضع المسؤولية مباشرة على الحكومة التي تطلب من المواطنين الثقة في السوق، ثم تترك إجراءات التوثيق بطيئة ومكلفة.

 

ومن ثم، تحتاج الحوكمة الحقيقية إلى قاعدة بيانات محدثة تربط المشروع والقطعة والمالك والمطور والوسيط والضرائب، لأن المنصة التي تعرض وحدة بلا هذه الروابط لا تحمي المواطن بل تضيف واجهة جديدة للفوضى.

 

وفي المقابل، لا يكفي إطلاق منصة رسمية تحمل بيانات عقارية موثقة، إذا بقيت الصفحات التجارية خارج نطاق الالتزام، وبقي إعلان المشروع غير المرخص قادرا على الوصول إلى آلاف المشترين قبل تدخل أي جهة.

 

ضرائب ضائعة وثقة مكسورة وعقوبة لا تردع وحدها

 

اقتصاديا، تضرب السمسرة غير الرسمية الدولة والمشتري معا، لأنها تنقل عمولات ومقدمات وعمليات بيع خارج الدورة الضريبية، بينما يتحمل المواطن تكلفة الخداع وحده من مدخرات تكوّنت غالبا عبر سنوات عمل طويلة.

 

وبسبب هذا النشاط الموازي، تفقد الخزانة العامة جزءا من مستحقاتها، لكن الحكومة تعوض العجز عادة بضرائب ورسوم أوسع على الملتزمين، لا بمطاردة جدية لمن يجمعون عمولات بلا فواتير ولا سجلات.

 

إلى جانب ذلك، تضر الإعلانات الوهمية بسمعة السوق العقاري المصري، لأن المستثمر الجاد لا يخشى السعر فقط، بل يخشى غياب المعلومة الرسمية وتعدد الوسطاء وتداخل المنصات وصعوبة معرفة المسؤول عن الوعد المنشور.

 

في هذا الجانب، تخدم شهادة المحامي بالنقض محمد حامد سالم محور الردع، إذ أوضح أن ممارسة الوساطة العقارية دون قيد رسمي قد تواجه عقوبة تصل إلى السجن سنتين وغرامة من 50 ألفا إلى مليون جنيه.

 

غير أن العقوبة لا تكفي إذا ظلت لاحقة للجريمة، لأن الضحية لا تستعيد ثقتها بمجرد حبس سمسار، بل تحتاج إلى نظام يمنع نشر الإعلان المخالف ويحفظ الأدلة الرقمية ويغلق الحساب الوهمي بسرعة.

 

لذلك يجب أن يتحول رقم القيد إلى شرط تقني داخل أي إعلان عقاري، بحيث لا تنشر المنصة أو الصفحة عرضا للبيع أو الحجز إلا بعد إدخال رقم وسيط ومشروع قابلين للتحقق من قاعدة رسمية.

 

كذلك ينبغي أن تتعاون الجهات المختصة مع شرطة تكنولوجيا المعلومات لتتبع الصفحات والحسابات الوهمية، لا من أجل حملة عابرة، بل عبر وحدة دائمة ترصد الإعلانات العقارية المضللة وتحفظ الأدلة قبل حذفها.

 

وفي الوقت نفسه، يحتاج السوق إلى تشريع متكامل يربط قانون السمسرة بقوانين حماية المستهلك والجرائم الإلكترونية والضرائب، لأن كل قانون يعمل منفردا يترك ثغرة ينتقل إليها السمسار غير المرخص عند أول ملاحقة.

 

أخيرا، تكشف فوضى السمسرة العقارية غير المرخصة فشل الحكومة في حماية واحدة من أخطر معاملات الأسر المصرية، فشراء وحدة سكنية ليس رفاهية، بل قرار حياة، وتركه لمنصات وهمية يعني تحويل الحلم إلى مصيدة.