كشفت وقائع متلاحقة شهدتها مصر خلال الفترة الأخيرة عن تصاعد خطير في جرائم العنف العائلي، بعدما أطلق أب النار على زوجته وطفليه أعلى الطريق الدائري بالقاهرة، ما أدى إلى مقتل طفلته البالغة 3 سنوات وإصابة زوجته ونجله الرضيع، بينما تمكن المارة من السيطرة عليه قبل مواصلة إطلاق الرصاص، في وقت باشرت فيه النيابة التحقيقات فور توقيفه.

 

وتأتي الجريمة بعد أيام قليلة من حادثة أخرى في محافظة قنا أقدم خلالها أب على طعن نجليه وشقيقه بسكين بسبب خلافات أسرية، بالتزامن مع جريمة هزت الرأي العام في القاهرة بعدما خنقت أم أبناءها الثلاثة داخل شقة في منطقة الشروق، قبل أن تسلم نفسها للشرطة وتعترف بأن الضائقة المالية والخوف على مستقبل أطفالها بعد الانفصال عن زوجها دفعاها إلى ارتكاب الجريمة.

 

ضغوط اقتصادية خانقة تدفع الأسر إلى الانهيار

 

تعكس الجرائم الأخيرة حجم الضغوط الاجتماعية والنفسية التي تضرب قطاعات واسعة من الأسر المصرية، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتزايد الأعباء اليومية التي باتت تضغط على العلاقات الأسرية بصورة غير مسبوقة.

 

وقالت أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هالة منصور إن تصاعد جرائم العنف العائلي يرتبط بعدة أسباب متداخلة، من بينها تفاقم الأزمات الاقتصادية والضغوط النفسية التي يعيشها كثير من الأفراد، إلى جانب ضعف العلاقات الاجتماعية مع الأسرة والأقارب والجيران مقارنة بما كان عليه الوضع في الماضي.

 

وأوضحت منصور أن تغير نمط الحياة والانشغالات اليومية المستمرة أدى إلى تقلص شبكات الدعم الاجتماعي التقليدية، ما جعل كثيراً من الأشخاص يواجهون أزماتهم النفسية والمعيشية في عزلة كاملة دون وجود متنفس حقيقي للتعبير عن الضغوط المتراكمة.

 

وأضافت أن العنف الأسري غالباً ما يسبقه تاريخ مرضي أو اضطرابات في الشخصية لدى بعض الجناة، لكن تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع البعض إلى الانفجار المفاجئ داخل الأسرة نفسها، خصوصاً مع غياب الاحتواء المجتمعي.

 

وفي السياق نفسه، ترى الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد أن التدهور الاقتصادي الحاد لعب دوراً مركزياً في زيادة معدلات التوتر والعنف داخل البيوت المصرية، مشيرة إلى أن الأسر باتت تواجه ضغوطاً يومية مرتبطة بتكاليف الغذاء والتعليم والعلاج والسكن.

 

وأكدت المهدي أن تراجع مستويات الدخل واتساع معدلات الفقر دفعا قطاعات واسعة من المواطنين إلى حالة مستمرة من القلق والإحباط، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار النفسي والاجتماعي داخل الأسرة.

 

وأضافت أن الضغوط الاقتصادية الحالية لم تعد مجرد أزمة معيشية عابرة، بل تحولت إلى عامل يومي يهدد تماسك العلاقات الأسرية ويضاعف من احتمالات الانفجار والعنف، خاصة مع غياب الحماية الاجتماعية الكافية للفئات الأكثر هشاشة.

 

التراجع الثقافي ومشاهد العنف يغذيان الجرائم الأسرية

 

أرجع أستاذ علم النفس الدكتور جمال فرويز انتشار جرائم العنف الأسري إلى حالة من التراجع الثقافي وضعف البنية القيمية داخل المجتمع، مؤكداً أن الظروف الاقتصادية وحدها لا تفسر تصاعد هذا النوع من الجرائم بهذه الصورة الواسعة.

 

وأوضح فرويز أن مصر مرت بأزمات اقتصادية أصعب بعد حرب 1967، لكن المجتمع لم يشهد وقتها هذا الحجم من جرائم القتل داخل الأسرة، معتبراً أن ما يحدث حالياً يرتبط أيضاً باستسهال فكرة “زهق الأرواح” باعتبارها وسيلة للهروب من الأزمات.

 

وأشار إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دوراً خطيراً في تطبيع مشاهد الدم والعنف، بعدما أصبح المستخدمون يشاهدون يومياً جرائم قتل ومقاطع دموية بصورة متكررة، ما أدى إلى تراجع الحساسية المجتمعية تجاه العنف.

 

وأضاف فرويز أن ارتفاع معدلات العصبية والانفعال داخل المجتمع، إلى جانب غياب المرجعية الثقافية الراسخة، ساهم في خلق بيئة أكثر استعداداً للانفجار، خصوصاً مع تراجع أدوار المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية.

 

كما أكدت هالة منصور أن العلاقات الاجتماعية تحولت في كثير من الأحيان إلى علاقات سطحية أو مهنية فقط، وهو ما حرم الأفراد من دوائر الدعم التقليدية التي كانت تخفف الضغوط النفسية وتمنع تفاقم المشكلات الأسرية.

 

وأوضحت أن ضعف الوازع الديني الحقيقي وانتشار ما وصفته بالتدين الشكلي القائم على المظاهر لا الجوهر، ساهم أيضاً في تراجع منظومة القيم داخل بعض البيوت، ما جعل العنف أكثر حضوراً في التعامل مع الأزمات والخلافات.

 

وفي الإطار الحقوقي، اعتبر الحقوقي أسامة رشدي أن تصاعد العنف الأسري يعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع الإحساس بالأمان الاجتماعي داخل المجتمع المصري، في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية المتراكمة التي أثرت على الصحة النفسية للمواطنين.

 

وأشار رشدي إلى أن غياب سياسات فعالة لحماية الأسرة وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للفئات المتضررة يترك كثيراً من الأسر في مواجهة مباشرة مع الانهيار، دون وجود آليات حقيقية للتدخل المبكر ومنع تفجر الأزمات.

 

أرقام صادمة وتحذيرات من اتساع دائرة الخطر

 

وثق تقرير حقوقي صادر عن مؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة” وقوع 1195 جريمة عنف ضد النساء والفتيات خلال العام الماضي، بحسب التقرير السنوي الصادر في فبراير الماضي، في مؤشر يعكس تصاعد معدلات العنف الأسري بصورة لافتة.

 

وجاءت جرائم القتل في مقدمة الانتهاكات المسجلة بواقع 363 واقعة، من بينها 261 جريمة قتل ارتبطت بعنف أسري مباشر، بينما احتل الطعن المرتبة الأولى بين وسائل ارتكاب الجرائم بنسبة بلغت 23.1 بالمئة من الوقائع التي رصدها التقرير.

 

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع دائرة الخطر داخل المجتمع، خصوصاً مع تكرار الجرائم التي يرتكبها آباء أو أمهات بحق الأبناء أو الأزواج، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن التحولات النفسية والاجتماعية داخل الأسرة المصرية.

 

وأكد جمال فرويز ضرورة تدخل الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية بصورة عاجلة لتسليط الضوء على المشكلات الأسرية المتفاقمة، والعمل على إعادة بناء الروابط الاجتماعية بين الأفراد عبر خطط إعلامية وتوعوية ممنهجة.

 

كما شددت هالة منصور على أن هناك قصوراً واضحاً في الوعي المجتمعي المتعلق ببنية الأسرة السليمة وكيفية التعامل مع ضغوط الحياة اليومية، مؤكدة أن مواجهة الظاهرة تتطلب تعاوناً بين جميع مؤسسات المجتمع.

 

وأضافت أن التعامل مع العنف الأسري يجب ألا يقتصر على ردود الفعل الأمنية بعد وقوع الجرائم، بل يتطلب بناء منظومة وقائية تشمل الدعم النفسي والتوعية الاجتماعية وتحسين الظروف الاقتصادية للأسر الأكثر تضرراً.

 

ويرى أسامة رشدي أن استمرار تصاعد جرائم العنف العائلي بهذا الشكل يمثل جرس إنذار خطيراً بشأن التدهور الاجتماعي الذي تعيشه قطاعات واسعة من المجتمع، محذراً من أن تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة سيؤدي إلى اتساع دائرة الانهيار الأسري خلال السنوات المقبلة.

 

واختتمت الدكتورة عالية المهدي بالتأكيد على أن حماية الأسرة المصرية لم تعد قضية اجتماعية فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية العامة، مشيرة إلى أن استمرار الضغوط الحالية دون حلول حقيقية يهدد بمزيد من التفكك والعنف داخل المجتمع.