أعلن المجلس القومي لحقوق الإنسان لقاء رئيسه أحمد إيهاب جمال الدين برئيس المحكمة الدستورية العليا بولس فهمي إسكندر في القاهرة، أمس السبت لبحث حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون، بينما ظلت النتيجة السياسية للقاء محكومة بسؤال الفاعلية لا بسرد عبارات التعاون المؤسسي.
وكشف اللقاء أن السلطة تحاول تجميل ملف الحقوق عبر واجهات قضائية واستشارية، في وقت يستمر فيه الجدل حول الحبس الاحتياطي وحرية التعبير وظروف الاحتجاز، بما يجعل الحديث عن الضمانات الدستورية ناقصًا إذا لم يتحول إلى حماية فعلية للمواطنين أمام القوانين المقيدة.
المحكمة الدستورية بين حماية النصوص وعجز الواقع الحقوقي
وأكد رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان خلال اللقاء أن المحكمة الدستورية العليا تمثل ركيزة في حماية الشرعية الدستورية وصون الحقوق والحريات المكفولة بالدستور، وهذا الكلام يضع المحكمة في قلب اختبار سياسي وقانوني لا يسمح بتحويل الدستور إلى وثيقة احتفالية داخل بيانات رسمية.
ثم تظهر أهمية المحكمة الدستورية من اختصاصها في الرقابة على دستورية القوانين وتفسير النصوص، لأن القوانين المنظمة للحقوق لا تقاس بجمال عناوينها بل بمدى اتساقها مع حرية المواطن في الكلام والتنظيم والمحاكمة العادلة والحماية من التوسع الأمني.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الفقيه الدستوري نور فرحات زاوية الرقابة القضائية، لأنه انتقد سابقًا القوانين التي تضيق المجال العام وتوسع سلطة الدولة على حساب الحريات، ولذلك تصبح المحكمة مطالبة بدور حاسم لا يكتفي بتفسير النص بل يحمي أثره.
وبذلك يتحول لقاء المحكمة مع المجلس إلى سؤال عن القوانين التي تنتظر رقابة صارمة، لأن أزمة الحقوق في مصر لا تنتج من غياب النصوص فقط، بل تنتج من تشريعات تملك ألفاظًا دستورية وتنتج آثارًا تقيد الناس داخل التحقيقات والسجون وقاعات المحاكم.
كما أن حديث التعاون بين المؤسسات لا يعفي المحكمة من مسؤوليتها التاريخية، فالمواطن لا يحتاج لقاءات بروتوكولية بين الرؤساء، بل يحتاج أحكامًا تمنع تحويل الاستثناء إلى قاعدة وتمنع استعمال الأمن العام كعبارة واسعة تكسر ضمانات الحرية الشخصية.
المجلس القومي يردد مزاعم الدولة بينما الشكاوى تنتظر أثرًا ملزمًا
أوضح أحمد إيهاب جمال الدين أن المجلس يحترم أحكام المحكمة الدستورية ويعدها مرجعًا في صياغة تقاريره ومذكراته، وهذه العبارة تكشف حدود المجلس في الوقت نفسه، لأنه يستند إلى مرجع قضائي مهم لكنه لا يملك إلزام الحكومة بتنفيذ توصياته عند وقوع الانتهاكات.
بعد ذلك أعلن المجلس أنه يعتزم إطلاق لقاءات وبرامج قانونية متخصصة لنشر الوعي بالضمانات الدستورية والقضائية، غير أن نشر الوعي لا يكفي وحده في بلد يشتكي فيه مواطنون من طول الحبس الاحتياطي ومنع الزيارة وضعف الرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز.
ومن هنا يخدم رأي الحقوقي جمال عيد محور محدودية المؤسسات الرسمية، لأنه انتقد مرارًا غياب الاستقلال الحقيقي عن مؤسسات يفترض أن تحمي الحقوق، وربط أزمة العدالة بتغول السلطة التنفيذية وضعف المساءلة، وهو ما يجعل المجلس مطالبًا بأثر واضح لا بتوصيات ناعمة.
لذلك تبدو صلاحيات المجلس الاستشارية مشكلة مركزية في هذا الملف، لأن المؤسسة تستطيع رصد الأوضاع وكتابة التقارير ورفع التوصيات، لكنها تصطدم بسلطة تنفيذية لا تتغير سلوكياتها بمجرد لقاءات أو بيانات، خاصة في الملفات المرتبطة بالسياسة والأمن والسجون.
كذلك يفتح اللقاء سؤالًا عن الشفافية، لأن المجلس الذي يتحدث عن تطوير المنظومة الحقوقية يحتاج إعلان نتائج محددة عن الشكاوى والتحقيقات والزيارات الميدانية، لا الاكتفاء بتأكيد الاحترام المتبادل بين المؤسسات، فالمعيار الحقيقي هو مصير المواطن لا صورة الاجتماع.
الحريات العامة تكشف اختبار المنظومة لا بياناتها
تزامن اللقاء مع تحركات رسمية أخرى تخص الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان 2026-2031، حيث ناقش المجلس مشروع الاستراتيجية مع اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، بما يعكس اندفاع الدولة إلى إنتاج وثائق جديدة بينما تبقى أسئلة التنفيذ والمحاسبة قائمة.
لكن هذا السياق يزيد حدة الأزمة ولا يخففها، لأن الاستراتيجية الأولى لم توقف الانتقادات المرتبطة بالحبس الاحتياطي وحرية التعبير وظروف الاحتجاز، ولذلك يصبح إطلاق استراتيجية ثانية بلا ضمانات تنفيذ مستقلة إعادة تدوير للخطاب نفسه تحت عنوان زمني جديد.
وفي هذا السياق، يخدم رأي حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية محور الحريات الأساسية، لأنه ربط أزمة الحقوق في مصر بغياب الضمانات العملية أمام السلطة الأمنية، واعتبر أن القوانين والإجراءات القائمة تستخدم لتقييد المجال العام بدل حمايته.
وعليه لا يكفي أن يجلس المجلس القومي مع المحكمة الدستورية لمناقشة الحقوق والحريات، لأن الحقوق تحتاج مسارًا واضحًا يبدأ بمراجعة القوانين المقيدة وينتهي بإخلاء سبيل المحبوسين بسبب الرأي، ويفتح السجون للرقابة المستقلة، ويجعل التقارير الرسمية قابلة للاختبار العام.
كما أن التباين بين الخطاب الرسمي وتقارير المنظمات الحقوقية لا يجب أن يعالج ببيانات نفي، فالدولة التي تؤكد وجود إصلاح حقيقي تستطيع نشر أرقام واضحة عن الحبس الاحتياطي والوفيات داخل الاحتجاز والشكاوى التي عالجها المجلس والقرارات التي عدلتها الحكومة.
لقاء بروتوكولي بلا مضمون ولا نتيجة على أرض الواقع
وفي النهاية يفضح لقاء المحكمة الدستورية العليا والمجلس القومي لحقوق الإنسان أزمة أعمق من صور المصافحة، لأن الدولة تمتلك مؤسسات وأسماء وبرامج واستراتيجيات، لكنها لا تقدم ضمانة كافية بأن المواطن سيجد حماية عندما تصطدم حريته بقانون مقيد أو قرار أمني.
وتبقى المحكمة الدستورية مطالبة بأن تجعل الرقابة على القوانين أداة لحماية الناس لا مجرد ضبط لصياغات تشريعية، كما يبقى المجلس القومي مطالبًا بأن يتحول من قناة حوار مع الدولة إلى منصة ضغط معلنة لصالح الضحايا والشكاوى والحقوق غير المنفذة.
ولهذا لا يملك خطاب تطوير المنظومة الحقوقية قيمة حقيقية ما لم يظهر أثره في الملفات الصعبة، فالحبس الاحتياطي وحرية التعبير وظروف الاحتجاز ليست قضايا هامشية، بل هي الامتحان الذي يكشف هل تحمي المؤسسات الحقوق أم تحمي صورة الحكومة.

