كشفت مؤسسة نايت فرانك في تقرير الثروة لعام 2026 عن وصول عدد المصريين الذين تتجاوز ثرواتهم 30 مليون دولار، بما يعادل نحو 1,5 مليار جنيه، إلى 822 شخصًا داخل مصر، مع توقع ارتفاع العدد إلى 977 شخصًا بحلول 2031، بما يكشف اقتصادًا يزداد فيه الأثرياء ثراء على حساب أغلبية شعب تسحقه الأسعار.
يتحول هذا الرقم إلى إدانة سياسية قبل أن يكون مؤشرًا ماليًا، لأن ملايين المصريين يواجهون تآكل الأجور وارتفاع الغذاء والسكن والخدمات، بينما تصنع السياسات نفسها مسارًا موازيًا لأصحاب الأصول، في بلد يدفع فيه الفقراء ثمن التعويم والديون، ويحصد أصحاب العقارات والذهب مكاسب الأزمة.
ثروات تكبر مع التعويم وفقراء يدفعون فاتورة الأسعار
في المقابل، لا يظهر رقم 822 ثريًا بوصفه علامة تعاف اقتصادي شامل، بل يظهر كدليل على اقتصاد يعيد توزيع الخسائر لا الثروة، إذ يربح مالكو الأصول من ارتفاع الأسعار، بينما يخسر أصحاب الأجور قدرتهم على شراء الغذاء والسكن والدواء، ثم تطلب الحكومة منهم الصبر باسم الإصلاح.
وبحسب بيانات نايت فرانك، ارتفع عدد أصحاب الثروات التي تتجاوز 30 مليون دولار من 802 شخصًا في 2021 إلى 822 شخصًا في 2026، ورغم أن الزيادة خلال السنوات الخمس الماضية بلغت 2,5% فقط، فإن التقرير يتوقع قفزة جديدة بنسبة 18,9% حتى 2031، وهو توقع يفضح اتجاه الثروة لا اتجاه العدالة.
لذلك، يضع الاقتصادي عمرو عادلي هذا المسار داخل مشكلة أوسع تخص بنية السوق المصرية، إذ يرى في أعماله عن الرأسمالية المشطورة أن ضخ الأموال لا يصنع تغييرًا واسعًا عندما لا تصل المكاسب إلى القاعدة الاجتماعية، وهو ما يفسر لماذا تتضخم الثروات بينما يبقى الإنتاج الواسع ضعيفًا.
ثم جاءت موجات التضخم والتعويم لتمنح أصحاب الأصول حماية إضافية، لأن الجنيه الضعيف رفع تقييم الأراضي والوحدات والذهب بالجنيه، بينما ضرب الدخل الثابت في قلبه، وبذلك صنعت الحكومة سوقًا يكافئ من يملك قبل الأزمة، ويعاقب من يعيش على راتب شهري بعد الأزمة.
العقارات والذهب يحولان الأزمة إلى أرباح مغلقة
على هذا الأساس، لم تعد العقارات في مصر مجرد قطاع سكني يستجيب لحاجة المواطنين، بل تحولت إلى مخزن قيمة مغلق أمام شرائح واسعة، لأن الشركات الكبرى رفعت الأسعار مع كل خفض للعملة، ثم باعت الخوف من التضخم في صورة وحدات مؤجلة التسليم، بينما خرجت الطبقة الوسطى من السوق قسرًا.
في هذا السياق، يخدم كلام عمرو عادلي محور العقارات تحديدًا، لأنه يربط فشل التنمية السوقية بضعف الانتشار الاجتماعي للمكاسب، فالسوق لا يعجز عن إنتاج أرباح، لكنه يعجز عن تحويل هذه الأرباح إلى فرص عمل مستقرة وسكن قابل للوصول ونمو إنتاجي يلامس أغلبية السكان.
بالتوازي، وفّر الذهب والعملات والأراضي ملاذًا ضيقًا لأصحاب السيولة، فانتقلت الثروة من مجال العمل والإنتاج إلى مجال التحوط والمضاربة، ودفعت الأسر العادية الثمن مرتين، مرة عند شراء السلع اليومية بسعر أعلى، ومرة عند فقدان القدرة على امتلاك مسكن أو حماية مدخراتها القليلة.
وهنا، لا تبدو زيادة عدد الأثرياء نتيجة طبيعية لنمو صحي، بل تبدو ثمرة مباشرة لاقتصاد يترك الأصول ترتفع بلا كوابح اجتماعية، ويفتح المجال أمام رأس المال الكبير، ثم يضغط على المستهلكين بخطاب ترشيد ودعم أقل وفواتير أعلى، كأن الأزمة خلقت لفئة واحدة فقط.
ديون ومشروعات كبرى تصنع اقتصاد الطبقتين
إلى جانب ذلك، يكشف مسار الديون والمشروعات الكبرى عن وجه آخر للأزمة، لأن الحكومة استخدمت الاقتراض لتوسيع الإنفاق على بنية ومشروعات لا تنعكس بسرعة على دخل الأسر، ثم نقلت عبء السداد إلى المواطنين عبر الضرائب والأسعار وتقليص الدعم ورفع كلفة الخدمات الأساسية.
وفي هذا المحور، يوضح تيموثي كالداس، الباحث في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أن أزمة مصر الاقتصادية لا تنفصل عن دور الدولة المتضخم والديون والامتيازات، وقد انتقد تفضيل خفض دعم الخبز على تقليص امتيازات الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، وهو نقد يضع العبء في مكانه السياسي.
بعد ذلك، تزيد الفجوة اتساعًا عندما تتحدث الحكومة عن جذب الاستثمار وخلق فرص العمل، بينما يرى المواطن أسعارًا أعلى لا أجورًا كافية، ويرى مشاريع فاخرة لا خدمات عامة أفضل، ويرى أرقام نمو لا تمنع سقوطه أمام فاتورة الكهرباء والمواصلات والإيجار والغذاء كل شهر.
ومن ثم، يصبح الحديث الحكومي عن الإصلاح ناقصًا ومضللًا، لأن الإصلاح الذي يضاعف قيمة أصول القلة، ولا يحمي الأجور الحقيقية للأغلبية، يتحول إلى آلية فرز طبقي، تضع أصحاب الثروة في اقتصاد محصن، وتترك بقية المجتمع داخل اقتصاد انتظار دائم للمنح والقروض والحزم المؤقتة.
فقر يتسع ومؤشرات رسمية لا تطعم الناس
في الجهة الأخرى، تؤكد تقديرات البنك الدولي أن معدل الفقر الوطني بلغ 33,5% في 2021 و2022، وأن الفقر وفق خط البلدان متوسطة الدخل الأدنى زاد بنحو 5 نقاط بين 2022 و2024، ما يعني أن الأزمة لم تكن شعورًا شعبيًا عابرًا، بل مسارًا موثقًا داخل حياة الملايين.
لهذا، تقدم الاقتصادية سلمى حسين قراءة ضرورية في هذا الملف، إذ تربط في عملها مع مبادرة الإصلاح العربي بين السياسات النقدية والتعويم والتضخم وتوزيع الدخل، وتؤكد أن تكلفة السياسات لا تقاس بتحسن المؤشرات وحدها، بل بما تفعله في الفقر والغذاء والحماية الاجتماعية.
وبناء على ذلك، لا يكفي أن تقول الحكومة إن التضخم يتراجع من ذروة سابقة، لأن الأسعار التي صعدت لم تعد إلى جيوب الناس، كما أن السكن والمياه والكهرباء والوقود والغذاء لا تتحرك وفق بيانات إعلامية، بل تتحرك داخل ميزانية الأسرة التي صارت تنتهي قبل منتصف الشهر.
في النهاية، تكشف أرقام نايت فرانك صورة بلد يسير نحو اقتصاد بطبقتين، طبقة تملك الأرض والذهب والعملات والعلاقات، وطبقة تملك الراتب المنهك والديون الصغيرة وفواتير المرافق، وبينهما حكومة تحمي خطابها بالأرقام، لكنها لا تستطيع إخفاء سؤال واحد، لماذا يكبر الأثرياء كلما ضاقت حياة المصريين.

