فرضت انتهاكات قوات الدعم السريع نفسها على المشهد السوداني بوصفها ملفا ميدانيا مفتوحا على جرائم موثقة لا على تجاوزات معزولة. الوقائع التي تكشفت خلال 2025 وبداية 2026 أظهرت أن الاعتقال لم يعد إجراء مرتبطا بسياق القتال فقط بل صار أداة سيطرة يومية داخل مناطق واسعة خرجت من أي رقابة قضائية فعلية.
تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الحقوق تحدثت عن احتجاز تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب وحرمان من الغذاء والعلاج داخل مرافق رسمية استولى عليها عناصر الدعم السريع أو داخل مواقع مستحدثة في مبان مدنية وقواعد مهجورة. هذا المسار لم ينشأ في فراغ لأن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 مزقت مؤسسات العدالة وأضعفت قدرة الدولة على حماية المدنيين وتركت آلاف الأسر تبحث عن أبنائها بين السجون السرية والمقابر المجهولة وسط إفلات واسع من العقاب.
تحولت هذه الشبكة مع اتساع الحرب إلى واقع يومي يهدد المدنيين والعسكريين السابقين والنشطاء والعاملين في المجال الطبي والإغاثي على السواء. مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثق نمطا متكررا من الاحتجاز في الخرطوم يقوم على نقل المحتجزين بين مواقع مختلفة قبل تجميعهم في مرافق أكبر تخضع لسيطرة الدعم السريع في ظروف لا تراعي الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية. كما وثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في دارفور والخرطوم أن الاعتقال التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي والإخفاء القسري لم تعد ممارسات طارئة بل صارت جزءا من بنية السيطرة المسلحة نفسها. لذلك تبدو القضية اليوم أبعد من ملف حقوقي تقليدي لأنها تمس أصل الحق في الحياة والحرية والكرامة في بلد تتراجع فيه سلطة القانون أمام سلاح المليشيا وعجز السلطة الرسمية عن وقف الانهيار.
الخرطوم تحت قبضة الاعتقال المفتوح
وفي قلب هذا المشهد برزت الخرطوم بوصفها مركزا رئيسيا لشبكة الاحتجاز التابعة للدعم السريع بعدما وثق تقرير أممي صدر في مارس 2025 أن هذه القوات حولت منذ منتصف 2023 منازل ومدارس ودورا للعبادة وبنى مدنية أخرى إلى قواعد ومراكز توقيف. التقرير ذاته أكد أن الضحايا تعرضوا لاحتجاز تعسفي وتعذيب وسوء معاملة وحرمان من الماء والغذاء والرعاية الطبية في مرافق مكتظة وخاضعة لسيطرة مسلحة كاملة.
ثم اتضح حجم هذه الشبكة بصورة أوضح مع ما كشفه التقرير الأممي عن سجن سوبا في الخرطوم. التقرير ذكر أن السجن افتتح أصلا كمؤسسة عقابية بطاقة تقارب 3600 نزيل ثم حوله الدعم السريع بعد اندلاع الحرب إلى مركز احتجاز فعلي ضخم. وبحلول يونيو 2024 رجحت التقديرات وجود أكثر من 6000 محتجز داخله بينهم مدنيون وعسكريون وعناصر اعتبرتهم القوة المسلحة مصدر تهديد لها.
وبسبب هذا التوسع لم يعد سجن سوبا موقعا منفصلا بل صار محطة نهائية لنقل محتجزين من مواقع أخرى بينها مجمع الرياض في شرق الخرطوم. مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أشار إلى أن ضحايا سابقين وصفوا مجمع الرياض وسوبا بأنهما وجهتان للاحتجاز المطول في ظروف شديدة القسوة. هذا الوصف ينسف أي ادعاء بوجود احتجاز مؤقت أو محدود ويرسم صورة بنية احتجاز مستقرة وممنهجة.
وفي هذا السياق قالت منى ريشماوي عضوة بعثة تقصي الحقائق الأممية إن الأدلة التي جمعتها البعثة في السودان تشمل القتل والاغتصاب والتعذيب والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي باعتبارها أفعالا ليست جانبية عن الحرب بل جزءا من نمط متكرر. أهمية هذا التوصيف أنه يربط بين ما جرى في الخرطوم وما جرى في دارفور ضمن منطق واحد يقوم على السيطرة عبر الرعب لا عبر القانون.
شالا وسوبا ومواقع السرية تكشف سياسة الموت البطيء
وفي امتداد مباشر لما جرى في الخرطوم انتقلت صورة الانتهاكات إلى الأقاليم بصورة أكثر فظاعة مع توسع السيطرة المسلحة على مرافق احتجاز قائمة أو استحداث مواقع جديدة. في شمال دارفور وثقت لجنة العدالة تقارير ميدانية عن سجن شالا في الفاشر باعتباره واحدا من أكثر المواقع تدهورا تحت سيطرة الدعم السريع حيث تحدثت الإفادات عن أكثر من 9000 مدني محتجزين في ظروف غير إنسانية مع غياب العلاج والغذاء الكافي.
ثم جاءت الإفادات المحلية في فبراير 2026 لتؤكد أن الكلفة البشرية داخل شالا تجاوزت حدود الإهمال العابر. تقارير من دارفور تحدثت عن أكثر من 300 وفاة بين محتجزين جرحى خلال شهرين فقط بسبب الإصابات غير المعالجة والغرغرينا وانعدام الرعاية. كما وثقت لجنة العدالة استمرار تفشي الكوليرا داخل السجن مع تسجيل وفيات أسبوعية في ظل غياب تام للتدخل الطبي الوقائي أو العلاجي.
وبالتوازي مع ذلك تكشفت معالم مواقع احتجاز سرية حول الخرطوم بعد استعادة الجيش لبعض المناطق. تحقيق صحفي نشر في مارس 2025 كشف العثور قرب منطقة قري شمال العاصمة على مركز توقيف غير معلن وآثار تعذيب واضحة وموقع دفن واسع يضم ما لا يقل عن 550 قبرا مجهولا. شهادات ناجين وأطباء قالت إن المحتجزين تعرضوا للتجويع والضرب والتعذيب المنهجي داخل القاعدة قبل دفن أعداد كبيرة منهم قرب الموقع نفسه.
ولأن هذه الوقائع لم تعد مجرد روايات منفصلة فقد أكدت جوي نغوزي إيزيليو عضوة بعثة تقصي الحقائق الأممية أن الشهادات التي جمعتها البعثة من المدنيين في السودان تضمنت القتل والتجويع والعنف الجنسي والتعذيب وتدمير الخدمات الأساسية على نحو واسع. هذا التوصيف يمنح ما جرى في شالا والمواقع السرية توصيفا قانونيا وسياسيا يحمّل الجناة مسؤولية مباشرة ويكشف فشل السلطة السودانية والمجتمع الدولي في وقف التدهور قبل اتساعه.
استهداف النشطاء والأطباء يوسع الجريمة ويعمق الإفلات من العقاب
ومن داخل هذا المسار برز استهداف فئات مدنية بعينها باعتباره وجها ثابتا من وجوه الانتهاكات. منظمات حقوقية ذكرت خلال 2024 و2025 أن الاعتقالات طالت محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومتطوعين وأطباء في سياق اتهامات أمنية فضفاضة أو على خلفيات عرقية ومناطقية. كما شددت على أن كثيرا من المحتجزين حرموا من التواصل مع أسرهم أو محاميهم وتعرضوا للاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لفترات مطولة.
ثم اتسعت الدائرة مع تقارير عن احتجاز عاملين في القطاع الصحي ومدنيين في نيالا داخل أماكن مزدحمة وغير صحية. منظمة الصحة العالمية نقلت في ديسمبر 2025 القلق من احتجاز أكثر من 70 من العاملين الصحيين مع نحو 5000 مدني في ظروف ضيقة وغير صحية مع ورود تقارير عن تفشي الأمراض. هذه الوقائع تكشف أن حتى من يفترض أنهم يحفظون حياة الناس صاروا أهدافا مباشرة في جغرافيا الحرب.
كما دعمت تقارير أخرى هذا النمط حين وثقت منظمات معنية ووكالات دولية استمرار توقيف متطوعي غرف الطوارئ والعاملين في الإغاثة تحت خطر الاعتقال أو التعذيب أو القتل. وتتضاعف خطورة هذه الممارسات لأن استهداف شبكات الإغاثة لا يضرب الأفراد وحدهم بل يضرب ما تبقى من آليات بقاء المجتمع المحلي في مدن دمرت الحرب مؤسساتها الرسمية.
وفي هذا الإطار شدد جان باتيست غالوبان من هيومن رايتس ووتش على أن موقع الاحتجاز والمقابر المكتشفة قرب قري قد يشكل واحدا من أكبر مسارح الجرائم الفظيعة التي عثر عليها في السودان منذ بدء الحرب وأن حفظ الأدلة والوصول المستقل إلى هذه المواقع أمران حاسمان للمحاسبة. هذه الشهادة تكتسب وزنا خاصا لأنها تربط بين التوثيق الجنائي وبين ضرورة كسر الحصانة التي تحيط بهذه الجرائم حتى الآن.
وفي النهاية لا تبدو سجون الدعم السريع مجرد فصل جانبي في الحرب السودانية بل تبدو عنوانا مكثفا لانهيار الحماية القانونية وتحول المدنيين إلى رهائن في فضاء تديره القوة المسلحة وحدها. الأدلة المتجمعة من الخرطوم إلى الفاشر ومن سوبا إلى شالا ومن المواقع السرية إلى المقابر المجهولة تؤكد أن البلاد تواجه جرائم موثقة لا تحتمل التخفيف ولا التأجيل. وإذا استمرت السلطة السودانية في العجز عن حماية المحتجزين واستمر المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانة اللفظية فإن عدد الضحايا سيواصل الارتفاع بينما تتسع مساحة الاختفاء والموت خارج أي قضاء أو حساب.

