تكشف الوقائع المتداولة اليوم حول الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية صورة شديدة القسوة لطريقة إدارة المال العام داخل واحدة من الجهات المفترض أنها تتعامل مع أصول استراتيجية ترتبط مباشرة بقطاع التعدين والإنتاج والخدمات الفنية.

 

فبحسب ما نشره موقع أخبار الغد استنادًا إلى وثائق قال إنها ممهورة بالأختام الرسمية فإن معدات حفر عملاقة وأوناشًا تلسكوبية وآلاف المواسير وكميات من مستلزمات الحفر جرى تحويلها على الورق إلى خردة ومخلفات صلبة تمهيدًا لبيعها بأسعار متدنية للغاية رغم أن البيانات الواردة في تلك الوثائق تصفها بأنها معدات جديدة ولم تستخدم بعد.

 

هذه ليست مخالفة إدارية عابرة يمكن إدراجها في خانة سوء التقدير أو خطأ الجرد أو خلل المخازن لأن جوهر ما ورد يتحدث عن تغيير صفة الأصل نفسه من معدة إنتاجية إلى كهنة بغرض التصرف فيها بثمن لا يعكس قيمتها الحقيقية ولا دورها المفترض في دعم النشاط التعديني والإيرادات العامة.

 

ما يزيد خطورة هذه الوقائع أن الدولة نفسها تمضي في إعادة تشكيل هيئة الثروة المعدنية ومنحها اختصاصات أوسع تتعلق بالاستراتيجية والخطط وآليات قياس ومتابعة الأداء بينما تظهر هذه المستندات المتداولة أن جزءًا من الأصول كان يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا داخل المخازن والدفاتر والإجراءات التنفيذية.

 

فحين تتحدث الحكومة عن تعظيم العائد من الثروة المعدنية ثم تظهر وثائق عن بيع أصول تتجاوز قيمتها السوقية مليار جنيه مقابل 14.5 مليون جنيه فقط فإن التناقض لا يعود سياسيًا فقط بل يصبح توثيقيًا ومباشرًا. لذلك يخرج الملف من نطاق الجدل الإعلامي إلى سؤال واضح عن المسؤولية الإدارية والرقابية والمالية داخل الهيئة وتحت إشراف الوزارة المعنية لأن ما نشر لا يتعلق بأصل صغير أو مهمات مستهلكة بل بأدوات استراتيجية يفترض أنها أُحضرت أصلًا لخدمة قطاع حيوي لا لبيعه في لوطات خردة.

 

قرار 208 وبداية تحويل الأصول من معدات إنتاج إلى لوطات خردة

 

تستند بداية المسار الذي كشفت عنه الوثائق المنشورة إلى القرار رقم 208 لسنة 2022 الذي قالت المادة المنشورة إنه قنن تحويل معدات حفر عملاقة وأوناش تلسكوبية وآلاف المواسير وكميات من بلي الحفر الاستراتيجي إلى لوطات خردة. وبحسب الوقائع نفسها فإن هذه الخطوة لم تستهدف معدات متهالكة أو مستهلكة بالكامل بل شملت معدات وُصفت بأنها بحالة الزيرو ولم تدخل الخدمة بعد. هذا التفصيل وحده يضع القرار في قلب الأزمة لأنه ينقل الملف من خانة التخريد الطبيعي إلى خانة تغيير التوصيف الإداري تمهيدًا للتصرف المالي.

 

وبعد ذلك ترتبت النتيجة المالية الأخطر في الملف إذ قالت البيانات المنشورة إن ممتلكات تتجاوز قيمتها السوقية حاجز المليار جنيه بيعت مقابل 14.5 مليون جنيه فقط. هذا الفارق ليس مجرد خصم كبير في مزاد أو تقدير منخفض للسوق بل فجوة ضخمة بين قيمة أصل منتج وسعر تصرف هزيل. وفي قراءة أوسع لملف إدارة الأصول الحكومية قال محمد ماهر رئيس الجمعية المصرية للأوراق المالية إن بيع بعض الأصول الحكومية قرار سياسي متخذ منذ مدة وإن التأخير في الطروحات ليس في مصلحة البرنامج ما يعكس حساسية ملف التصرف في الأصول العامة وأثره المالي والسياسي معًا.

 

ثم يكتسب هذا المسار بعدًا أشد خطورة عندما يوضع بجوار ما طرحه الدكتور مصطفى محمود إسماعيل زيان كبير الجيولوجيين السابق بالهيئة نفسها الذي دعا في فبراير 2026 إلى الحوكمة الرشيدة وتفعيل الدور المؤسسي للدولة وتنشيط التفتيش والرقابة الميدانية داخل قطاع التعدين. فحين يطالب خبير خرج من قلب الهيئة بتقوية الرقابة وتحديث الإدارة بينما تظهر مستندات عن بيع معدات جديدة كخردة فإن الوقائع المنشورة تبدو كدليل عملي على عمق الخلل الذي كان يحتاج أصلًا إلى تلك المعالجات المؤسسية.

 

تجنيب الجرد وأوامر مايو كيف جرى تمرير الإخراج بعيدًا عن الرقابة

 

توضح المادة المنشورة أن ذروة الإجراءات وقعت في 1 مايو 2023 حين وقع رئيس الإدارة المركزية للخدمات الفنية بالتنسيق مع مدير عام التعاقدات على أوامر مباشرة تضمنت تجنيب اللوطات والمعدات من عمليات الجرد السنوي الرسمية. هذا التاريخ مهم لأن الجرد هو الحلقة التي تسمح بمطابقة الدفاتر بالموجودات. وعندما يُستبعد أصل من الجرد فإن الطريق يصبح ممهَّدًا لإخراجه من المخازن بعيدًا عن المراجعة الفعلية وبعيدًا عن أي مقارنة لاحقة بين المسجل والموجود.

 

وبناء على ذلك قالت الوقائع المنشورة إن الإدارات المتورطة استغلت فترات التوقف الرسمية للحركة المخزنية وأخرجت الأصول عبر كشوف تسليم تفتقر إلى البيانات الجوهرية بما يفتح الباب للتملص من المسؤولية لاحقًا. هذا الوصف لا يشير إلى خلل ورقي محدود بل إلى مسار إداري كامل استخدمت فيه الأختام والتوقيعات الحكومية كأدوات تمرير. ومن هنا يصبح الملف متعلقًا بسلامة إجراءات الحفظ والتسليم والتسوية الدفترية لا بسعر البيع فقط لأن التمهيد الإداري سبق عملية التصرف نفسها.

 

وفي هذا السياق يكتسب طرح الدكتور زيان أهمية إضافية لأنه لم يكتف بالدعوة إلى التخطيط العلمي بل شدد أيضًا على تفعيل دور التفتيش والرقابة وإعادة توزيع مناطق المتابعة وتسهيل الوصول الميداني إلى مواقع العمل. هذه المطالب تبدو اليوم شديدة الصلة بما نشر عن تجنيب المعدات من الجرد السنوي لأن أي رقابة ضعيفة على المخازن واللجان تسمح بتحويل الأصل من معدة إنتاج إلى بند مهمل على الورق. لذلك يربط التسلسل الزمني بين مطلب الخبير ووقائع الملف ربطًا مباشرًا لا يحتاج إلى مبالغة.

 

هدر يتجاوز البيع إلى سؤال المسؤولية الحكومية عن أصول التعدين

 

تكشف الفقرة الأخيرة من الوقائع المنشورة أن التلاعب في تصنيف المعدات من أصول إنتاجية إلى مخلفات عديمة القيمة كان الوسيلة الأساسية التي استُخدمت لتمرير الصفقات وأن التقارير طالبت بمراجعة جميع محاضر الفحص الفني السابقة على البيع للتأكد من مطابقتها للحالة الفعلية للمعدات. هذه النقطة بالذات تنقل المسؤولية من إدارة المخازن إلى اللجان الفنية والإدارية والمالية التي وقعت أو راجعت أو اعتمدت هذا التحول في الصفة والقيمة والحالة.

 

ومن ثم لا يعود السؤال متعلقًا فقط بمن اشترى الخردة أو من وقع أمر التسليم بل بمن منح الغطاء المؤسسي الكامل لتحويل معدات استراتيجية إلى كهنة. هنا تظهر ملاحظة الخبير الاقتصادي هاني توفيق عن سوء إدارة الموارد والمشروعات غير المنضبطة ماليًا بوصفها قراءة أوسع للسلوك الحكومي نفسه. فحين تتكرر أنماط التصرف في الموارد بلا دراسة محافظة أو بلا تسعير عادل فإن النتيجة تكون تحميل الدولة والموازنة كلفة قرارات لا تخدم المصلحة العامة بل تفتح بابًا للهدر المنظم.

 

كذلك تزداد حدة الملف لأن الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية ليست جهة هامشية بل مؤسسة تتصل مباشرة بإدارة مورد استراتيجي وبوضع الخطط العامة وقياس الأداء وفق ما نشر عن اختصاصاتها الجديدة في أبريل 2026. وإذا كانت الجهة التي يفترض أن تعظم العائد من الثروة المعدنية تواجه اتهامات موثقة منشورة عن بيع معدات حديثة بثمن بخس فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام لا تتعلق فقط بخسارة مالية بل بعجز بنيوي في الحوكمة والمساءلة داخل قطاع يفترض أنه رافعة للإيرادات لا مستودع لإهدارها.

 

ولهذا تبدو المطالبة بمراجعة محاضر الفحص الفني والجرد وأوامر التجنيب والتسليم ومساءلة كل من وقع أو اعتمد أو مرر هذه الإجراءات مطلبًا توثيقيًا مباشرًا لا موقفًا سياسيًا زائدًا. فالمستندات المنشورة تتحدث عن معدات جديدة وأصول بمئات الملايين بل بمليارات الجنيهات وسلسلة توقيعات ومراسلات سمحت بخروجها من الدفاتر والمخازن إلى سوق الخردة. وعندما يبلغ الفرق بين القيمة الحقيقية وسعر البيع هذا الحجم فإن أي صمت رسمي يصبح جزءًا من الأزمة لا تفصيلًا خارجها.

 

خاتمة

 

ينتهي هذا الملف إلى نتيجة صريحة وهي أن الوقائع المنشورة لا تصف خطأً عارضًا في التصنيف أو قصورًا محدودًا في الجرد بل ترسم مسارًا إداريًا متكاملًا بدأ بقرار في 2022 ومر بأوامر مباشرة في مايو 2023 وانتهى إلى بيع أصول استراتيجية بثمن لا يمثل جزءًا يسيرًا من قيمتها. هذه الصورة تضع الحكومة ووزارة البترول والجهات الرقابية أمام اختبار مباشر يتعلق بسلامة إدارة أصول الدولة وبقدرتها على حماية المال العام داخل قطاع التعدين. وإذا لم تُفتح مراجعة علنية وفنية وقانونية شاملة لهذا الملف فإن ما جرى لن يبقى واقعة داخل هيئة واحدة بل سيتحول إلى نموذج جديد لكيفية تصفية ممتلكات الشعب تحت لافتة الخردة والكهنة بينما تتحمل الخزانة العامة الخسارة كاملة.