تقدمت قضية فيلم «جوليو ريجيني كل شرور العالم» إلى واجهة المشهد الثقافي والقانوني في إيطاليا لأن العمل لم يكتف بعرض مأساة باحث قتل تحت التعذيب في القاهرة بل أعاد فتح ملف سياسي حاولت السلطات المصرية إغراقه في روايات متبدلة منذ اختفاء ريجيني يوم 25 يناير 2016 وحتى العثور على جثمانه قرب طريق القاهرة الإسكندرية يوم 3 فبراير 2016 وقدمت الجهة المنتجة الفيلم بوصفه عملا يعيد بناء الحقيقة القضائية في القضية بالاستناد إلى شهادة والديه وإلى متابعة محامية العائلة أليساندرا باليريني بينما بقي 4 من عناصر الأمن المصري ملاحقين أمام محكمة الجنايات في روما في محاكمة غيابية ما زالت تمثل جرحا مفتوحا في العلاقات بين القاهرة وروما.

 

تحول حضور الفيلم في الصالات الإيطالية خلال أبريل 2026 إلى معركة سياسية كاملة لأن وزارة الثقافة استبعدته من التمويل العام رغم ما أثاره من صدى حقوقي ونقدي ورغم عودته إلى العرض في أكثر من 60 صالة مع برمجة موسعة داخل الجامعات ومؤسسات عامة ومع تحديد عرض خاص له داخل البرلمان الأوروبي في بروكسل يوم 5 مايو 2026 وقد بدا القرار في نظر عائلة ريجيني وقطاعات ثقافية واسعة محاولة لتقليص أثر عمل يوثق جريمة ما زالت عدالتها معطلة بفعل الرفض المصري للتعاون الكامل وبفعل تردد سياسي إيطالي امتد سنوات.

 

وثيقة قضائية تكسر الرواية المصرية

 

يعرض الفيلم وقائع القضية من زاوية قضائية مباشرة لأن الجهة المنتجة قدمته بوصفه أول وثائقي يعيد بناء الحقيقة القضائية في مقتل ريجيني مع اعتماد واضح على شهادة والديه وعلى المتابعة القانونية التي قادتها أليساندرا باليريني ولذلك بدا العمل أقرب إلى ملف اتهام موثق منه إلى شريط تذكاري عابر يعيد ترتيب الأيام الفاصلة بين الاختفاء والتعذيب والقتل.

 

ثم يربط هذا البناء بين الوقائع وبين الاتهامات التي صاغها الادعاء الإيطالي ضد اللواء طارق صابر والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم والعقيد هشام حلمي والرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف إذ يواجه الأربعة تهمة الخطف المشدد بينما يواجه مجدي شريف اتهاما إضافيا بالمشاركة في القتل وهو ما ثبت في مسار الاتهام القضائي الإيطالي منذ إحالة الملف إلى المحكمة.

 

كما يكشف ترتيب الوقائع داخل الفيلم حجم التناقض في السردية المصرية لأن القاهرة قدمت على مدى السنوات الماضية تفسيرات متبدلة للجريمة بينما قالت النيابة الإيطالية والمحكمة البرلمانية الإيطالية سابقا إن الأدلة تشير إلى مسؤولية داخل جهاز الأمن المصري لا إلى حادث منفصل أو فعل جنائي عابر جرى تضخيمه سياسيا كما حاولت الرواية الرسمية الإيحاء.

 

وقالت أليساندرا باليريني في مارس 2026 إن الحقيقة أعيد بناؤها إلى حد كبير لكن ما ينقص هو الحكم العادل كما اتهمت الحكومة الإيطالية بارتكاب مظالم في إدارة الملف وأكدت أن الخطر الذي أنتج مقتل ريجيني ما زال قائما داخل مصر ولذلك يمنح الفيلم كلامها وظيفة توثيقية حاسمة لأنه يربط ملف المحكمة ببنية القمع التي سمحت بالجريمة.

 

صراع على الذاكرة داخل إيطاليا

 

فجر قرار حرمان الفيلم من التمويل العمومي أزمة ثقافية وسياسية واسعة لأن لجنة التمويل التابعة لوزارة الثقافة رفضت منحه أي نصيب من 14 مليون يورو مخصصة للدعم الانتقائي لعام 2026 رغم حضوره الحقوقي والسينمائي وهو ما دفع الناقد باولو ميريجيتي والمحاضر الجامعي ماسيمو جاليمبرتي إلى الاستقالة من اللجنة احتجاجا على المناخ الذي أحاط بالقرار.

 

وبعد ذلك اتسعت الأزمة أكثر لأن جينيلا فوكا قدمت استقالتها أيضا يوم 9 أبريل 2026 مؤكدة أنها عارضت رفض الفيلم منذ البداية بينما اضطر وزير الثقافة أليساندرو جولي إلى الدفاع أمام البرلمان قائلا إن اتهامات الرقابة بلا أساس مع إقراره في الوقت نفسه بأنه لا يشارك اللجنة موقفها من استبعاد العمل وهذا التناقض زاد الشكوك بدل أن يبددها.

 

كما نقلت والدة جوليو ريجيني باولا ديفيندي النقاش من مستوى القرار الإداري إلى مستوى الفضيحة السياسية حين قالت يوم 13 أبريل 2026 إن الأسرة اعتادت الظلم طوال 10 سنوات وإنها تشعر بالأسف لكل من وضع قلبه وعقله في هذا الفيلم وهي صيغة كشفت أن العائلة رأت في القرار امتدادا لإخفاق رسمي طويل لا مجرد خلاف فني محدود.

 

ويرى باولو ميريجيتي وهو أحد أبرز نقاد السينما في إيطاليا أن بقاءه داخل اللجنة لم يعد ممكنا بعد هذه الواقعة وهو موقف يكتسب وزنا خاصا لأن اعتراضه جاء من داخل البنية التي اتخذت القرار لا من خارجها ولذلك تحول استبعاده للفيلم إلى دليل إضافي على أن القضية تجاوزت مقاييس التقييم الفني ودخلت مجال الاصطفاف السياسي والثقافي الواضح.

 

المحاكمة مستمرة رغم التعطيل المصري

 

تواصل محكمة الجنايات في روما النظر في القضية هذا العام بعد أن أزالت المحكمة الدستورية الإيطالية يوم 30 يناير 2026 عقبة إجرائية كانت قد علقت المحاكمة في أكتوبر 2025 وسمحت باستئنافها لأن الدولة الإيطالية تستطيع تحمل الكلفة الإجرائية المسبقة للدفاع عن المتهمين الغائبين وهو ما أعاد الملف إلى مساره القضائي بعد تعطيل طويل.

 

ثم عادت الجلسات بالفعل يوم 24 فبراير 2026 مع استمرار المحاكمة غيابيا ضد الضباط الأربعة بعدما ظل التعاون القضائي المصري ناقصا ومراوغا وهو ما أبقى المحكمة الإيطالية أمام مسار شاق يعتمد على الشهادات والقرائن والوثائق المتاحة داخل إيطاليا بينما يرفض الجانب المصري الإخطار الفعال للمتهمين أو تقديم تعاون كامل كما وعد سابقا.

 

كما أشارت تقارير إيطالية حديثة إلى أن الحكم قد يصدر بين يونيو ويوليو 2026 لا في نهاية العام كما كان متوقعا سابقا وهو تطور زاد من أهمية الفيلم في هذا التوقيت لأنه نزل إلى الصالات بينما العدالة الإيطالية تقترب من لحظة فاصلة قد تعيد القضية كلها إلى صدارة الرأي العام الأوروبي مرة أخرى.

 

ويكتسب رأي أنطونيو ماركيزي أستاذ القانون الدولي والرئيس السابق لمنظمة العفو الدولية في إيطاليا أهمية خاصة هنا لأنه ربط مبكرا بين قضية ريجيني وبين صعوبة انتزاع العدالة العابرة للحدود في جرائم التعذيب والاختفاء القسري ودافع عن حملة «الحقيقة من أجل جوليو» بوصفها معركة ضد الصمت السياسي الأوروبي لا مجرد تضامن عاطفي مع أسرة مكلومة.

 

كما يلتقي هذا التقدير مع موقف ريكاردو نوري المتحدث باسم منظمة العفو الدولية في إيطاليا الذي تعامل لسنوات مع قضية ريجيني داخل سياق أوسع يتعلق بالقمع المنهجي في مصر وبواجب الحكومات الأوروبية في عدم مقايضة الحقيقة بالمصالح وهو ما يفسر الغضب الواسع من محاولة تقليص أثر فيلم يعيد الجريمة إلى الواجهة العامة في لحظة قضائية حساسة.

 

وفي الخاتمة يخرج فيلم «جوليو ريجيني كل شرور العالم» من نطاق السينما إلى نطاق الشهادة العامة لأنه يسجل أمام الجمهور الإيطالي والأوروبي أن الجريمة لم تكن حادثا غامضا ولا ملفا قديما أغلقته السنوات بل جريمة تعذيب مكتملة الأركان ارتبطت باتهامات مباشرة لعناصر أمن مصريين وبفشل سياسي إيطالي متكرر في حماية العدالة ولذلك فإن أي محاولة لتهميش الفيلم أو خفض حضوره لا تعني إلا خدمة الإفلات من العقاب وتمديد عمر الكذب الرسمي على حساب الحقيقة.