أعادت وفاة الدكتور نبيل جميل محمد إسماعيل فتح واحد من أثقل الملفات الحقوقية في مصر، لأن الرجل لم يكن اسمًا عابرًا داخل قوائم المعتقلين، بل أستاذًا في طب الأطفال بكلية الطب في جامعة المنيا، قضى سنوات طويلة خلف القضبان قبل أن يرحل داخل محبسه. وحين يموت أستاذ جامعي بعد احتجاز ممتد منذ 17 أغسطس 2013، فإن القضية لا تبقى قضية فرد واحد، بل تتحول إلى سؤال مباشر عن مصير قامات علمية صارت السجون آخر محطاتها.

 

تكشف هذه الوفاة أن الأكاديميين المحتجزين في سجون السيسي لم يعودوا يواجهون الحرمان من الحرية فقط، بل يواجهون أيضًا تهديدًا يوميًا للحياة نفسها تحت وطأة الإهمال الطبي وسوء الاحتجاز وتقدم العمر. ولهذا لا يبدو الملف حقوقيًا محضًا أو قانونيًا مجردًا، بل يبدو ملفًا إنسانيًا وسياسيًا مكتملًا، لأن الدولة التي تحتجز أساتذة جامعات وباحثين وشيوخًا تجاوزوا الثمانين، ثم تتركهم في أوضاع متدهورة، تتحمل كامل المسؤولية عن ما ينتهي إليه هذا المسار.

 

وفاة نبيل جميل أعادت ملف الوفيات في السجون إلى الواجهة وكشفت اتساع الخطر

 

كان الدكتور نبيل جميل محمد إسماعيل معتقلًا منذ 17 أغسطس 2013، ثم صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في ديسمبر 2015 من محكمة عسكرية، قبل أن يفارق الحياة داخل محبسه في سجن المنيا شديد الحراسة. وقد وصفت تقارير حقوقية وفاته بأنها نتيجة الإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز، وهو ما جعل رحيله يُستقبل بوصفه نموذجًا جديدًا لقامة علمية تنتهي داخل السجن لا داخل قاعة درس أو مستشفى جامعي.

 

ثم جاءت دلالة هذه الوفاة من كونها لم تقع في فراغ، لأن تقارير حقوقية تحدثت عن توثيق أكثر من 1200 حالة وفاة داخل سجون السيسي بين 2013 و2025. ويكشف هذا الرقم أن الوفيات المرتبطة بتدهور الرعاية الصحية لم تعد استثناءً محدودًا، بل صارت نمطًا متكررًا داخل منظومة الاحتجاز، يطال فئات مختلفة من المعتقلين، ومن بينهم أساتذة جامعات وأكاديميون بارزون.

 

كما يؤكد الحقوقي والكاتب جمال عيد أن مسؤولية الدولة عن حياة السجين لا تبدأ عند لحظة المحاكمة ولا تنتهي عند باب السجن، بل تستمر كاملة ما دام المحتجز تحت سيطرة أجهزتها. وتكتسب هذه القاعدة معناها الثقيل هنا، لأن تكرار الوفيات بين المرضى وكبار السن يجعل الحديث عن الإهمال الطبي أقرب إلى سياسة ثابتة منه إلى تقصير عارض أو خطأ محدود.

 

بعد ذلك، ازدادت المخاوف لأن الوقائع خلال العامين الأخيرين وحدهما حملت أسماء أكاديمية أخرى رحلت في ظروف مشابهة. فقد أُعلنت وفاة الأكاديمي المصري ناجي البرنس، أستاذ جراحة الوجه بجامعة الإسكندرية، داخل محبسه نتيجة الإهمال الطبي. ثم توفي الدكتور سمير يونس، الأكاديمي المصري في جامعات الكويت، بعد عامين من اعتقاله. كما توفي الأستاذ الدكتور محمد سالم غنيم، أستاذ علم المكتبات ونظم المعلومات بجامعة القاهرة، داخل محبسه بعد أربع سنوات من الحبس الاحتياطي.

 

احتجاز كبار السن من الأكاديميين حوّل السجون إلى خطر مباشر على حياتهم

 

يبرز اسم الدكتور رشاد محمد البيومي ضمن أكثر الحالات دلالة على قسوة هذا الملف، لأنه أستاذ جيولوجيا بجامعة القاهرة وأحد أبرز المتخصصين في مجاله، وقد أمضى عقودًا في التدريس والبحث العلمي وتخريج أجيال من الطلاب. لكن هذا التاريخ الأكاديمي الطويل انتهى إلى احتجاز ممتد منذ 2013، رغم أنه تجاوز الثمانين من عمره، ورغم ما يتردد عن معاناته من أمراض مرتبطة بالسن في ظل قيود على الزيارة وصعوبة الحصول على رعاية طبية منتظمة.

 

ثم يتكرر المشهد نفسه مع الدكتور صلاح سلطان، الأكاديمي المعروف وباحث الشريعة الإسلامية، المعتقل منذ أغسطس 2013، والذي دخل عامه الثالث عشر في الاحتجاز تنفيذًا لحكم بالمؤبد صدر في محاكمة جماعية واسعة الانتقاد. وقد تحدثت أسرته وتقارير منظمات دولية عن تدهور حاد في حالته الصحية داخل سجن بدر، وسط صعوبات في الحركة ومضاعفات خطيرة، وهو ما دفع 51 منظمة حقوقية في مايو 2023 إلى المطالبة بالإفراج الفوري عنه تحذيرًا من خطر الموت المفاجئ.

 

كما لا يختلف وضع الدكتور محمد علي بشر، أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة المنوفية ووزير التنمية المحلية الأسبق، عن هذا المسار القاسي، إذ أمضى أكثر من أحد عشر عامًا في الاحتجاز منذ نوفمبر 2014 رغم بلوغه الخامسة والسبعين. ويطرح استمرار حبسه، في ظل تقدمه في السن وحاجته إلى رعاية طبية منتظمة وقيود الزيارة والتواصل الأسري، سؤالًا مباشرًا عن أي أساس إنساني أو قانوني يسمح باستمرار هذا النوع من الاحتجاز.

 

وفي الاتجاه نفسه، يبرز اسم الدكتور محمود غزلان، أستاذ الكيمياء بكلية الزراعة في جامعة الزقازيق، المعتقل منذ يونيو 2015، والذي تجاوز التاسعة والسبعين من عمره. وقد تنقل بين سجن العقرب شديد الحراسة وسجن بدر في ظروف وصفتها تقارير حقوقية بالقاسية وغير الملائمة لكبار السن. كما يمتد القلق إلى الدكتور محمد بديع، أستاذ الطب البيطري بجامعة بني سويف، الذي تجاوز الثمانين ويواجه أحكامًا متعددة مع تقارير تتحدث عن تدهور حالته الصحية وحرمانه من رعاية كافية.

 

وفي هذا السياق، تؤكد بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن احتجاز كبار السن والمرضى في بيئات عقابية مغلقة من دون رعاية صحية فعالة يمثل انتهاكًا مضاعفًا، لأن السجن هنا لا يكون تنفيذًا لعقوبة فقط، بل يتحول إلى تهديد إضافي للحياة نفسها. وتمنح هذه القراءة الحالات السابقة معناها الأوضح، لأن الخطر لم يعد نظريًا بعد هذا العدد من الوفيات والتدهورات الصحية.

 

شهادات الداخل تكشف أن الإهمال الطبي جزء من منظومة أوسع للإذلال وكسر المحتجزين

 

تتكرر المعاناة أيضًا مع الدكتور حسن البرنس، أستاذ الأشعة التخصصية بكلية الطب والحاصل على الزمالة الأمريكية، والذي درب مئات الأطباء داخل مصر وخارجها، لكنه يواجه بدوره ظروف احتجاز صعبة وفق ما تتداوله أسرته ومنظمات حقوقية. ثم ورد اسم الدكتور عبد الناصر مسعود سالم يوسف، أستاذ كلية العلوم بجامعة طنطا، بوصفه من المعتقلين المهددة حياتهم، في ظل تدهور صحي خطير منذ اعتقاله عام 2015 ومعاناته من ضمور في خلايا المخ.

 

كما حملت الشهادات المتداولة اسم الدكتور عصام حشيش، أستاذ الهندسة المعروف، بعد الإشارة إلى أنه طلب السماح له بشراء كفن على نفقته الخاصة تحسبًا لوفاته داخل السجن، وهو طلب يكشف بحد ذاته حجم الانهيار الذي وصل إليه المحتجز بعد سنوات من الحبس والتنقل بين السجون. وعندما يصل أستاذ جامعي إلى هذه الدرجة من اليأس، فإن الملف لا يعود متعلقًا بظروف إقامة سيئة فقط، بل بواقع يدفع المحتجز إلى انتظار موته علنًا.

 

ثم اتسعت الصورة عندما امتدت الانتهاكات إلى الطلاب المحتجزين أيضًا، بعدما تحدث تقرير منشور عن حملة قمع داخل سجن بدر 3 بقيادة ضابط الأمن الوطني العقيد وليد وائل محمد الدهشان المعروف باسم أحمد فكري. ووفق ما ورد في ذلك التقرير، تعرض طلاب معتقلون لانتهاكات أدت إلى محاولة أحدهم الانتحار بعد منعه من أداء الامتحانات، وهو ما يكشف أن القمع لا يطول الأساتذة وحدهم، بل يضرب كذلك الحق في التعليم ومستقبل الطلاب أنفسهم.

 

وفي رسالة منسوبة للدكتور عبدالرحمن البر، أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزهر، ظهرت صورة أكثر تفصيلًا لما يجري داخل سجن بدر 3، إذ تحدث عن حرمان من التريض، ونوم على الأرض، وتراكم القمامة، وإضاءة مستمرة، وإهمال صحي. كما أشار إلى فيديو مسرب للدكتور محمود شعبان في حالة صحية سيئة، وتحدث عن الدكتور محمود عزت، الأستاذ الجامعي الذي تجاوز الثمانين، وظهر وهو يبحث عن الدفء داخل زنزانته. وتوضح هذه الشهادة أن الأزمة لا تقف عند نقص العلاج، بل تشمل الإذلال اليومي وسحق الكرامة الإنسانية.

 

وفي هذا المعنى، يرى الحقوقي خالد علي أن الإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز لا يمكن فصله عن باقي بنية الانتهاك، لأن غياب الزيارة والتريض والرعاية والمتابعة القانونية يصنع مناخًا كاملاً يدفع المحتجز إلى الانهيار الجسدي والنفسي معًا. وتكتسب هذه الملاحظة وزنها هنا لأن شهادات الأكاديميين والطلاب لا تصف عرضًا منفردًا، بل تصف منظومة متصلة تعمل على الإضعاف المستمر.

 

وأخيرًا، تعيد وفاة الدكتور نبيل جميل إسماعيل التأكيد على أن ملف الأكاديميين في سجون السيسي لم يعد يحتمل التأجيل أو الاكتفاء ببيانات القلق، لأن الوقائع نفسها صارت أكثر قسوة من أي توصيف. فبين أستاذ مات داخل محبسه، وشيوخ تجاوزوا الثمانين ما زالوا خلف القضبان، ومرضى يطلبون كفنهم مقدمًا، وطلاب يُدفعون إلى حافة الانتحار، تصبح المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية واضحة تمامًا. ولذلك فإن استمرار هذا المسار لا يعني فقط مزيدًا من الانتهاك، بل يعني أيضًا أن السجن في مصر صار قادرًا على ابتلاع العلم وأهله معًا.