انكشفت السوق المصرية فور انقضاء موجة الشراء الكبيرة، وعاد المشهد إلى أصله سريعًا، رفوف ممتلئة نسبيًا، وحركة أضعف، ومستهلك يشتري بحساب مرهق، لا بثقة ولا بطمأنينة، بينما تواصل السلطة تسويق صورة وردية عن استقرار مزعوم لا يشعر به من يدفع الثمن كل يوم في السوق والمحلات والمنافذ الشعبية.
ما جرى في الأسابيع الأخيرة لم يكن دليل قوة، بل كان أقرب إلى اندفاعة اضطرارية سبقت مرحلة أكثر صعوبة، إذ تحركت الأسر لالتقاط احتياجاتها قبل جولة جديدة من الزيادات، لا لأن الدخول تحسنت ولا لأن السوق استعادت عافيتها، ولهذا فإن هدوء ما بعد الموسم لا يمكن قراءته كاستقرار، بل كعلامة على انكماش مؤجل ظهر فور انطفاء الزحام الموسمي.
الخبير المصرفي محمد عبد العال يضع يده على جوهر الصورة حين يربط صعود الأسعار في فبراير بموجة الطلب السابقة لرمضان والعيد، ثم يحذر من أن أثر زيادات الوقود يضيف عادة بين 2 و3 نقاط مئوية إلى المسار العام للأسعار، وهذا التقدير لا يقول فقط إن الضغوط مستمرة، بل يقول إن ما بدا نشاطًا بيعيًا كان مدفوعًا بالخوف من الغلاء المقبل أكثر مما كان تعبيرًا عن قوة شرائية حقيقية.
شراء مضغوط لا يعني تعافي السوق
السلطة تحب الأرقام التي تخدم خطابها، لكنها تتجاهل السؤال الأساسي، من الذي اشترى، وكيف اشترى، ولماذا اشترى، لأن الإجابة تفضح الرواية الرسمية من أساسها، فالمواطن لم يدخل السوق مدفوعًا بتحسن أحواله، بل مدفوعًا بقلق واضح من أن يصبح الغد أعلى كلفة من اليوم، وهذا وحده كافٍ لنسف فكرة الانتعاش التي يجري ترديدها بلا سند اجتماعي حقيقي.
هذه الحقيقة يثبتها أيضًا أداء القطاع الخاص غير النفطي، إذ هبط مؤشر مديري المشتريات إلى 48.9 في فبراير بعد 49.8 في يناير، أي أنه بقي تحت مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش، وهنا يلفت ديفيد أوين كبير الاقتصاديين في S&P Global إلى أن بيانات فبراير أظهرت ضعفًا في الطلبات الجديدة وتباطؤًا في النشاط، وهو توصيف مباشر لسوق تلتقط أنفاسها بصعوبة ولا تتجه إلى انتعاش ثابت.
المعنى السياسي والاقتصادي هنا واضح، ذروة الشراء سحبت إنفاقًا من شهور تالية إلى لحظة واحدة، ثم تركت فراغًا سريعًا بعدها، وهذا ما تعرفه جيدًا المحال الصغيرة قبل غيرها، فحين يشتري الناس قبل الموعد خوفًا من زيادة قادمة، فإن السوق لا تربح دورة جديدة، بل تؤجل لحظة التراجع فقط، ثم تدفع ثمن ذلك في صورة هبوط حاد في الإقبال بعد انقضاء الموسم.
ولهذا فإن الحديث عن حيوية السوق بعد الذروة ليس سوى تضليل بارد، لأن النشاط الحقيقي لا يقاس بعدد الأكياس الخارجة من المتاجر في أسبوع مزدحم، بل بقدرة المستهلك على الاستمرار في الشراء دون فزع، وبقدرة التاجر على التصريف دون خفض مؤلم أو ركود مفاجئ، وبقدرة السوق على الدوران الطبيعي، لا الموسمي القلق الذي ينتهي سريعًا بمجرد تراجع الازدحام.
المعروض موجود لكن الجيب فارغ
في المقابل، يروج ممثلو الغرف التجارية لفكرة أن السوق أفضل لأن السلع أكثر توافرًا ولأن التخفيضات انتشرت في معارض ومنافذ متعددة، ويقول علاء عز مستشار اتحاد الغرف التجارية إن أسعار كثير من السلع قبل رمضان 2026 كانت أقل من عامي 2024 و2025، مع طرح سلع عبر 3780 منفذًا ومعرضًا بتخفيضات بين 15 و20%، لكن هذه الرواية نفسها تكشف المأزق بدل أن تخفيه.
توافر السلع لا يساوي تعافيًا، لأن الأزمة لم تعد فقط في المعروض كما كان يحدث سابقًا، بل انتقلت بقوة إلى القدرة على الشراء نفسها، والمستهلك الذي يواجه كلفة متصاعدة في الغذاء والطاقة والنقل والخدمات لا تهمه كثيرًا كثرة المنافذ إذا كانت الفاتورة ما زالت فوق طاقته، ولا تعنيه التخفيضات الشكلية إذا كان أصل السعر مرتفعًا والإنفاق اليومي يلتهم ما تبقى من دخله.
هنا يصبح السوق أكثر هدوءًا في الظاهر وأكثر اضطرابًا في العمق، فالبضائع قد تبقى متاحة، لكن الكميات المشتراة تتقلص، والسلع غير الأساسية تتراجع أولًا، ثم تبدأ الضغوط في الوصول حتى إلى سلع كانت محصنة نسبيًا، ومع الوقت يظهر ذلك في حركة البيع الضعيفة وفي اعتماد التجار على المواسم القصيرة بدل الطلب المستقر، وهي علامة ضعف لا علامة صحة.
وحتى التوقعات الرسمية لا تمنح هذا الخطاب المتفائل غطاءً حقيقيًا، فالبنك المركزي يتوقع بقاء المسار العام للأسعار قرب مستوياته الحالية في الربع الأول من 2026 قبل تراجعه لاحقًا، بمتوسط متوقع عند 12.5 في السنة المالية 2025/2026، وهذا يعني أن الضغط على المستهلك لم ينكسر بعد، وأن السوق ستظل تتحرك فوق أرض رخوة، مهما حاولت الحكومة تقديم المشهد كأنه عودة طبيعية للعافية.
بعد الموسم هدوء ثقيل لا انفراجة حقيقية
السيناريو الأقرب الآن ليس انتعاشًا مستقرًا ولا انهيارًا شاملًا، بل ركود ثقيل يتسع تدريجيًا خلف واجهة تبدو أقل توترًا من الشهور السابقة، فالأسر ستواصل ترتيب أولوياتها بقسوة أكبر، وستؤجل ما يمكن تأجيله، وستضغط على مشترياتها الأساسية نفسها إذا استمرت صدمات الأسعار في الغذاء والوقود والنقل، وهذه ليست قراءة متشائمة، بل ترجمة مباشرة لما تقوله المؤشرات وما يراه السوق يوميًا.
محمد عبد العال يلفت إلى أثر الوقود على الكلفة العامة، وديفيد أوين يشير إلى ضعف الطلبات الجديدة وتباطؤ النشاط، وعلاء عز يتحدث عن توافر المعروض والتخفيضات، لكن جمع هذه الشهادات معًا يقود إلى نتيجة واحدة لا يمكن تجميلها، السوق ليست في حالة تعاف، بل في حالة توازن هش بين عرض تحسن نسبيًا وطلب يضعف اجتماعيًا ومعيشيًا، وهذه معادلة لا تنتج انتعاشًا طويلًا بل توقفًا مؤقتًا قبل جولة جديدة من الضيق.
الخلاصة أن ما بعد الذروة الموسمية يفضح عطبًا أعمق من مجرد تراجع زحام الشراء، لأنه يكشف أن السوق المصرية لا تتحرك اليوم بقوة المستهلك، بل بخوفه، ولا تدور بثبات، بل بدفعات موسمية قصيرة، ولا تستند إلى تحسن معيشي محسوس، بل إلى محاولات مرهقة للاحتماء من موجات غلاء متلاحقة، ولهذا فإن هدوء ما بعد الموسم ليس علامة راحة، بل جرس إنذار جديد على هشاشة الطلب وانكشاف رواية التعافي الرسمية.

