تتحرك أزمة إيجارات أراضي الأوقاف في مصر باعتبارها ملفًا ماليًا بحتًا في خطاب الحكومة، لكن نتائجها على الأرض تكشف مسارًا مختلفًا تمامًا. فالزيادات الأخيرة لم تأت في لحظة رخاء زراعي ولا في موسم شهد تحسنًا واضحًا في عائد المحاصيل، بل جاءت بينما يواجه الفلاح ارتفاعًا متواصلًا في كلفة الأسمدة والتقاوي والمبيدات والطاقة والنقل، من دون شبكة حماية جدية تحمي استمراره في الزراعة. ولذلك لم يعد السؤال متعلقًا بحق الدولة في تحصيل عائد من أملاكها، بل بطريقة فرض هذا العائد وتوقيته وحجمه، خصوصًا بعدما وصلت القيمة الإيجارية في بعض المناطق إلى مستويات قفزت من 17 ألف جنيه في 2024 إلى 60 ألف جنيه في 2026 وفق ما أثير رسميًا في مناقشات الملف. هذه القفزة لم تفتح نقاشًا حول تحسين الإنتاج أو دعم الفلاح، بل كشفت أن الحكومة تتعامل مع الأرض الزراعية كوعاء جباية سريع حتى لو كان الثمن إخراج صغار المزارعين من الدورة الإنتاجية نفسها.

 

تكشف الوقائع المتتابعة منذ ديسمبر 2025 وحتى أبريل 2026 أن أصل المشكلة لا يبدأ من اعتراضات داخل المجلس ولا من تصريحات نواب، بل من قرار حكومي دفع القيمة الإيجارية إلى مستويات غير متناسبة مع الربحية الفعلية للأرض. وقد حاولت وزارة الأوقاف تبرير القرار بأنه تصحيح لسعر السوق وسد لفجوة سعرية تراكمت عبر سنوات، بينما أكدت مصادر زراعية ونقابية أن الزيادة نفسها فرضت على مستأجرين صغار يعتمدون على هذه الأراضي كمصدر رزق وحيد. كما أن الحكومة تحدثت عن مراعاة بعض الحيازات الصغيرة وعن تسهيلات وتقسيط في بعض الحالات، لكن ذلك لم يبدد الغضب لأن أصل الأزمة بقي قائمًا وهو رفع الإيجار بقفزة كبيرة في لحظة يعاني فيها الريف أصلًا من ضيق اقتصادي حاد.

 

قفزة الإيجارات تكشف منطق الجباية لا منطق الزراعة

 

بدأت الأزمة الفعلية عندما رفعت الجهات المعنية القيمة الإيجارية للأراضي الزراعية التابعة للأوقاف بمعدلات وصفت رسميًا بأنها غير منطقية وغير عادلة. وقد أظهرت البيانات المتداولة في فبراير 2026 أن بعض المناطق شهدت قفزة من 17 ألف جنيه للفدان في 2024 إلى 60 ألف جنيه في 2026، وهي زيادة تقترب من 300 بالمئة في أقل من عامين.

 

ثم اتسع الاعتراض لأن الزيادة لم ترتبط بتحسن مماثل في القدرة الإنتاجية للأرض ولا في أسعار المحاصيل التي يبيعها الفلاح. وقد أكد الدكتور سعد نصار، الخبير الزراعي، أن الزيادة خلال السنوات السابقة كانت متلائمة نسبيًا مع أسعار المنتجات، لكن ما جرى في موسم 2025 و2026 جاء غير متوقع ولا يتناسب مع عائد الأرض بعد ارتفاع مستلزمات الإنتاج أيضًا.

 

كما تعمق الغضب لأن الحكومة لم تقدم معالجة تدريجية تتيح للمزارع التكيف مع الزيادة، بل دفعت بالأجرة الجديدة دفعة واحدة في كثير من الحالات. وقد أوضح سيد خليفة، نقيب الزراعيين، أن الإيجار في بعض المناطق ارتفع من 18 ألف جنيه إلى 48 ألف جنيه للفدان، مؤكدًا أن هذه الزيادة لا يمكن تحملها وأنها تضرب القدرة الإنتاجية لصغار المستأجرين مباشرة.

 

وبعد ذلك ظهرت المشكلة الأساسية بوضوح أكبر، لأن الحكومة قدمت الأمر بوصفه مواءمة مع السوق، بينما تجاهلت أن الأرض الزراعية ليست مشروعًا ماليًا معزولًا عن ظروف من يزرعها. وقد تمسكت وزارة الأوقاف بأن بعض أسعار السوق تدور عند 40 و50 و60 ألف جنيه للفدان، لكنها تجاهلت أن المقارنة المجردة بالسوق لا تكفي حين يكون المستأجر الصغير هو الحلقة الأضعف.

 

ارتفاع التكاليف يبتلع عائد الأرض قبل الحصاد

 

جاءت زيادة إيجارات أراضي الأوقاف بينما كان الفلاح يواجه أصلًا ارتفاعًا واضحًا في تكاليف الزراعة. فقد نقلت تغطيات ميدانية في أغسطس 2025 أن سعر شيكارة اليوريا في السوق الحرة وصل إلى 1500 جنيه وسعر شيكارة النترات إلى 1200 جنيه، وهو ما دفع مزارعين إلى التحذير من تراجع جودة المحصول وصعوبة استكمال التسميد.

 

ثم زادت الضغوط مع ارتفاع كلفة الوقود والنقل وأعمال الخدمة الزراعية، وهي عناصر تؤثر مباشرة في كل موسم وكل محصول. وقد قال حسين عبدالرحمن أبو صدام إن رفع أسعار المحروقات زاد الأعباء على الفلاحين في ظل ارتفاع الأسمدة والتقاوي والمبيدات، مع قلة الإنتاج وتدني أسعار كثير من المنتجات الزراعية في الوقت نفسه.

 

كما أن هذه الضغوط لا تتوقف عند حدود المدخلات الأساسية، لأن تجهيز الأرض نفسه صار أكثر كلفة. وقد أشار أبو صدام في تصريحات سابقة إلى أن حرث الفدان وصل إلى 1000 جنيه تقريبًا بزيادة 50 بالمئة عن العام السابق، وهو ما يعني أن المزارع يدفع أكثر منذ أول خطوة في الموسم قبل أن يحصل على أي عائد من المحصول.

 

ولذلك لم يعد ارتفاع الإيجار بندًا منفصلًا يمكن عزله عن بقية عناصر الكلفة، بل صار بندًا إضافيًا فوق سلسلة طويلة من الزيادات المتراكمة. وقد شدد الدكتور سعد نصار على أن اجتماع زيادة الإيجار مع زيادة أسعار الأسمدة والتقاوي والمبيدات والطاقة يجعل استمرار المستأجرين في العملية الإنتاجية أمرًا صعبًا، لأن دخلهم لا يتحمل هذا الضغط المركب.

 

ترك الأرض ليس تهديدًا نظريًا بل نتيجة مباشرة لسياسة الحكومة

 

أدى هذا المسار إلى تصاعد المخاوف من أن يضطر صغار المزارعين إلى ترك الأرض لا بسبب ضعف الرغبة في الزراعة، بل بسبب استحالة الاستمرار ماليًا. وقد تكررت التحذيرات الرسمية من أن غالبية المنتفعين بهذه الأراضي هم من صغار المزارعين الذين تحملوا تكلفة استصلاحها والعمل عليها لسنوات، بينما جاءت الزيادات الجديدة في توقيت يضغط عليهم من كل اتجاه.

 

ثم ظهرت خطورة الملف على الريف كله، لأن خروج المزارع الصغير من الأرض لا يعني فقط فقدان أسرة لدخلها، بل يعني أيضًا اضطراب الإنتاج المحلي واتساع الهشاشة الاجتماعية في القرى. وقد حذرت توصيات مناقشات سابقة من أن مئات الأسر قد تتعرض لفقدان مصدر رزقها الوحيد إذا استمرت الزيادات من دون مراجعة عادلة وتدرج يتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية.

 

كما أن نبرة الاعتراض داخل الوسط الزراعي لم تأت من فراغ، لأن ممثلي النقابات والخبراء رأوا أن ما يجري يطرد صغار المستأجرين لصالح من يملك قدرة أعلى على الدفع أو على المضاربة. وقد وصف حسين عبدالرحمن أبو صدام القرار في ديسمبر 2025 بأنه يتسبب في خسائر فادحة للفلاحين، مؤكدًا أن رفع الإيجار إلى 54 ألف جنيه في بعض المناطق يمثل “خراب بيوت” لا سياسة إصلاح.

 

وفي النهاية يكشف ملف إيجارات أراضي الأوقاف كيف تدير الحكومة الزراعة بعقلية التحصيل السريع لا بعقلية حماية الإنتاج. فبدل أن تخفف كلفة الزراعة وتثبت الفلاح في أرضه، رفعت عليه الإيجار في توقيت تضخمت فيه المدخلات وتآكلت فيه هوامش الربح. ولذلك لم تعد القضية خلافًا على تسعير إداري، بل صارت دليلًا جديدًا على أن السلطة تدفع الريف إلى الخسارة ثم تتحدث عن الأمن الغذائي وكأنه يمكن أن يتحقق بإفقار من يزرعون الأرض أصلًا.