لم تعد أزمة الهيئة العامة لقصور الثقافة مجرد خلافات إدارية عابرة أو أخطاء فردية يمكن احتواؤها بقرارات تنظيمية، بل تحولت في نظر كثيرين داخل أروقة الوزارة إلى ملف معقد تتشابك فيه المصالح والنفوذ.

 

وتظهر فيه ملامح شبكة إدارية وإعلامية وتنفيذية استطاعت عبر سنوات من التغلغل الهادئ أن تحيط بمفاصل القرار داخل بعض قطاعات العمل الثقافي.

 

هذه الشبكة – التي نسجت علاقاتها عبر مواقع إدارية حساسة ومشروعات مالية ضخمة – خلقت واقعا إداريا ملتبسا أصبحت فيه القرارات الكبرى، والتعاقدات، والمشروعات، محاطة بدائرة ضيقة من النفوذ يصعب اختراقها أو مراجعتها دون فتح ملفات ظلت لسنوات بعيدة عن الضوء.

 

غير أن ما يثير التساؤل اليوم هو ما إذا كانت وزارة الثقافة قادرة بالفعل على تفكيك هذه الشبكات الإدارية المعقدة، أم أن الأزمة أعمق من مجرد قرارات إصلاحية أو تغييرات إدارية محدودة، خاصة مع تكرار الحديث داخل الوسط الثقافي عن استمرار نفوذ بعض القيادات السابقة داخل الهيئة رغم تغير المناصب.

 

بلاغ واستغاثة إلى وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي

 

في الوقت الذي تعلن فيه وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي عن توجهات إصلاحية تستهدف إعادة الانضباط الإداري داخل مؤسسات الوزارة، وإطلاق ما تصفه بخطة لتطوير المؤسسات الثقافية واستعادة دورها في المجتمع، فإن الوقائع التي تكشفت خلال العامين الأخيرين تشير إلى أن أزمة الهيئة العامة لقصور الثقافة قد تكون أكثر تعقيدًا مما يبدو في التصريحات الرسمية.

 

فبدلًا من أن تتحول بعض القطاعات داخل الهيئة إلى منصات لدعم العمل الثقافي وتطوير الخدمات الثقافية في المحافظات، تشير روايات متداولة داخل الهيئة إلى ظهور شبكة مصالح متشابكة استطاعت – بحسب ما يراه بعض العاملين – أن تفرض حضورها داخل منظومة القرار الإداري.

 

وتذهب هذه الروايات إلى أن هذه الشبكة تضم مجموعة من الشخصيات الإدارية والإعلامية والتنفيذية التي لعبت أدوارًا مختلفة داخل الهيئة، بحيث تشكل مع مرور الوقت ما يشبه تحالف مصالح غير رسمي يربط بين النفوذ الإداري والتغطية الإعلامية وتنفيذ المشروعات.

 

ويرى منتقدون لسياسات الوزارة أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذه الشبكات، بل في قدرة هذه المنظومة على الاستمرار لفترات طويلة دون مراجعة جادة أو تحقيقات شفافة، وهو ما يعكس – في رأيهم – خللًا أعمق في آليات الرقابة داخل المؤسسات الثقافية الحكومية.

 

تضخم المشروعات وتراجع الدور الثقافي للمؤسسات

 

أحد أبرز الانتقادات الموجهة لإدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة خلال السنوات الأخيرة يتعلق بطريقة إدارة المشروعات الثقافية والإنشائية داخل الهيئة.

 

فبينما جرى الإعلان عن عدد كبير من مشروعات التطوير والصيانة وبرامج الأنشطة الثقافية، يرى بعض العاملين في القطاع الثقافي أن كثيرًا من هذه المشروعات لم ينعكس بصورة واضحة على مستوى الخدمات الثقافية المقدمة للجمهور في المحافظات.

 

كما أثيرت تساؤلات داخل الوسط الثقافي حول جدوى بعض التعاقدات المرتبطة بمشروعات مثل تطوير دور العرض أو أعمال الصيانة في بعض المواقع الثقافية، خاصة في ظل ما يصفه بعض الموظفين بوجود فجوة بين حجم الإنفاق المعلن وواقع البنية التحتية في عدد من القصور والمراكز الثقافية.

 

هذه الانتقادات أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول ما إذا كانت السياسات الحكومية في إدارة المؤسسات الثقافية تركز على المشروعات الإنشائية والاحتفالية أكثر من تركيزها على تطوير المحتوى الثقافي نفسه.

 

أزمة الإدارة داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة

 

تكشف الشهادات المتداولة داخل الهيئة عن حالة من التوتر الإداري بين بعض القيادات والموظفين، خاصة فيما يتعلق بآليات اتخاذ القرار وإدارة الملفات المالية والإدارية.

 

ويرى عدد من العاملين أن بعض المواقع الإدارية الحساسة داخل الهيئة تحولت مع الوقت إلى مراكز نفوذ تتحكم في مسار عدد من القرارات، سواء ما يتعلق بالتعاقدات أو إدارة المشروعات أو حتى حركة نقل الموظفين.

 

كما يشير بعض الموظفين إلى أن عددا من الكوادر المهنية التي حاولت الاعتراض على بعض الإجراءات الإدارية تعرضت لعمليات نقل مفاجئة أو تهميش إداري، وهو ما يثير تساؤلات حول بيئة العمل داخل الهيئة ومدى قدرتها على استيعاب الآراء المختلفة.

 

ويعتقد منتقدون أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى إضعاف الدور المهني للمؤسسات الثقافية الحكومية وتحويلها تدريجيًا إلى هياكل بيروقراطية تعاني من تضخم إداري وضعف في الكفاءة التشغيلية.

 

هل تملك وزارة الثقافة القدرة على الإصلاح؟

 

رغم الخطاب الإصلاحي الذي تتبناه وزارة الثقافة في الفترة الأخيرة، فإن التحدي الحقيقي – بحسب آراء عدد من المتابعين – يكمن في قدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة المراجعة المؤسسية الشاملة.

 

فملف الهيئة العامة لقصور الثقافة لا يتعلق فقط بتغيير بعض القيادات أو إطلاق مشروعات جديدة، بل يرتبط بإعادة النظر في منظومة الإدارة الثقافية الحكومية ككل، بما يشمل آليات الرقابة والشفافية والمساءلة.

 

ويرى منتقدون أن نجاح أي عملية إصلاح حقيقية يتطلب فتح الملفات القديمة المرتبطة بالمشروعات والتعاقدات، وإجراء مراجعة مستقلة للإنفاق داخل المؤسسات الثقافية، إضافة إلى إعادة تمكين الكوادر المهنية القادرة على إدارة العمل الثقافي بعيدًا عن شبكات النفوذ والمصالح.

 

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم مطروحًا داخل الوسط الثقافي: هل تمتلك وزارة الثقافة الإرادة الكافية لمواجهة هذه التحديات، أم أن أزمة قصور الثقافة ستظل مثالًا جديدًا على تعثر الإصلاح داخل المؤسسات الحكومية؟