كشفت القفزة الجديدة في أسعار الطماطم خلال الأحد 8 مارس 2026 عن عجز الحكومة عن إدارة واحدة من أبسط السلع الأساسية على المائدة المصرية، رغم أن الطماطم ليست سلعة مستوردة ولا أزمة مفاجئة لا يمكن توقعها.
ففي سوق العبور، ارتفعت أسعار الطماطم في الجملة خلال الأيام الأخيرة من نطاق 10 إلى 15 جنيهًا للكيلو يوم 4 مارس إلى نحو 16 إلى 20 جنيهًا يوم 5 مارس، بينما أظهرت بيانات بوابة الأسعار المحلية والعالمية أن متوسط الكيلو في التجزئة كان يدور حول 16.41 إلى 20 جنيهًا في 3 مارس، قبل أن تتحدث السوق عن قفزات أكبر في بعض المناطق مع رمضان. هذه ليست مجرد حركة موسمية عادية، بل نتيجة مباشرة لفشل متكرر في إدارة المعروض، وترك حلقات التداول والتكلفة والمضاربة تنقل العبء كله إلى المستهلك.
الحكومة تختبئ خلف الحرب وتتهرب من أصل الأزمة
السلطة تحاول كعادتها تعليق الزيادة على شماعة التوترات الإقليمية والحرب الجارية في المنطقة. لا شك أن الحرب ترفع تكاليف الشحن والوقود والاضطراب النفسي في السوق. لكن الطماطم تحديدًا تكشف كذب هذا التفسير إذا قُدم وحده. فنحن أمام محصول محلي يُزرع على نطاق واسع داخل مصر، وتنتج البلاد منه أكثر من 6.7 مليون طن سنويًا بحسب بيانات مرتبطة بمركز البحوث الزراعية. ومع ذلك، ما إن يدخل السوق في مرحلة انتقالية بين عروة وأخرى حتى يفقد أي توازن، وكأن الدولة لم تتعلم شيئًا من موجات الغلاء السابقة.
الخبير الزراعي حسين عبدالرحمن أبو صدام قال إن الزيادة الحالية ترتبط بـ"فاصل العروات" وتراجع المعروض، لكنه أضاف أيضًا أن تكلفة إنتاج كيلو الطماطم عند الفلاح بلغت نحو 5 جنيهات، وأن فدان الطماطم يكلف قرابة 100 ألف جنيه لإنتاج نحو 20 طنًا، مع مطالبته الدولة بتقليل الحلقات الوسيطة وطرح السلعة عبر المنافذ الحكومية والأسواق الكبيرة لتخفيف النقل والسمسرة على المواطن. أهمية هذا الكلام أنه يضع إصبعًا على الجرح: الأزمة ليست زراعية فقط، بل أزمة إدارة وتسويق ورقابة، والحكومة تعرف ذلك ثم تترك السوق ينفجر كل مرة.
والمفارقة أن حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة، كان قد قال قبل رمضان بأسابيع إن المعروض من الطماطم كافٍ، وإنه لا توجد زيادات مرتقبة قبل الشهر، بل وأكد أن الأسعار مستقرة حتى نهاية 2026. ما حدث بعدها مباشرة فضح حجم الارتباك في قراءة السوق، أو حجم الإنكار المتعمد. فحين تنتقل الطماطم من 10 إلى 12 جنيهًا في التجزئة إلى 30 و40 جنيهًا في بعض المناطق خلال أيام، يصبح الكلام عن الاستقرار إما جهلًا بالسوق أو مشاركة في تخدير الناس قبل الصدمة.
أزمة معروض حقيقية.. لكن الدولة تديرها بأسوأ طريقة
التجار يربطون الارتفاع بانخفاض الكميات الواردة واقتراب نهاية العروة الحالية قبل دخول إنتاج العروة الجديدة بكميات كبيرة. هذه رواية صحيحة في أصلها، لكنها لا تعفي الحكومة. فـ"فاصل العروات" ليس حدثًا طارئًا. هو جزء معروف من دورة الطماطم في مصر، وقد كرره وزير الزراعة نفسه العام الماضي حين قال إن ارتفاع الأسعار يحدث دائمًا بين العروات، وإن الانخفاض يأتي مع العروة التالية. إذا كانت الدولة تعرف هذا النمط الموسمي مسبقًا، فلماذا لا تمتلك آلية استباقية لتخفيف أثره؟ ولماذا يبقى المستهلك في كل مرة تحت رحمة التاجر والتجزئة والنقل؟
الخبير الاقتصادي محمد الطماوي أوضح في تحليل حديث أن تراجع معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار، بل تباطؤ سرعتها فقط، وأن شعور المواطنين بالغلاء يظل قائمًا لأن تكاليف المعيشة ترتفع من قاعدة مرتفعة أصلًا. هذا التفسير ينسجم تمامًا مع سوق الطماطم. فحتى لو قدمت الحكومة بيانات عن تحسن نسبي في التضخم، فإن الأسرة المصرية ترى الحقيقة في السوق مباشرة: سلعة أساسية تقفز في رمضان، ولا أحد يتدخل إلا بعد أن يتحول الغضب إلى حديث عام.
هناك أيضًا جانب لا يجوز تجاهله: تكاليف الزراعة نفسها قفزت. تقارير متعددة تحدثت عن ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والتقاوي والعمالة والنقل، وهي كلها عوامل دفعت بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو تفضيل محاصيل أقل مخاطرة وأبطأ تلفًا. عندما يحدث ذلك في محصول سريع التلف وعالي الحساسية مثل الطماطم، يصبح أي نقص مؤقت في المعروض كافيًا لإشعال السوق. لكن بدل أن تواجه الحكومة هذا الخلل بدعم الإنتاج أو تقليل تكاليف المدخلات أو تنظيم التسويق، تكتفي بانتظار موجة الغلاء ثم تخرج لتتحدث عن الظروف الدولية.
الطماطم ليست استثناء.. بل عرض لمرض أوسع في الاقتصاد
ما يجري في الطماطم ليس ملف خضار محدودًا. هو صورة مكثفة لطريقة حكم تدير الأسواق بعد وقوع الأزمة لا قبلها. مصر تملك سوق عبور، وبوابة أسعار رسمية، ومعهد بحوث بساتين، ووزارة زراعة، ووزارة تموين، ومحافظات، ومنافذ حكومية. ومع ذلك، لا تنجح الدولة في تأمين مسار معقول لسلعة يومية شديدة الاستهلاك في شهر يرتفع فيه الطلب بشكل متوقع. هذا ليس عجز طقس ولا زراعة فقط، بل عجز إدارة.
الخبير محمود عطا، وكيل وزارة الزراعة، أرجع في تصريحات منشورة جانبًا من ارتفاع أسعار الخضروات إلى تعدد الوسطاء وجشع بعض التجار، مع حديث عن تعاون حكومي لضبط الأسواق. هذا التوصيف، رغم صحته الجزئية، ينقلب على الحكومة نفسها. فإذا كانت وزارة الزراعة تعرف أن الوسطاء يرفعون الأسعار بهذه الصورة، فأين الرقابة المسبقة؟ وأين الأسواق البديلة؟ وأين التدخل الفعلي لكسر السلسلة التي تنقل السلعة من الفلاح بسعر إلى المواطن بأضعافه؟ الدولة هنا لا تبدو ضحية للسوق، بل شريكًا في تركه يعمل بلا كابح حقيقي.
الخلاصة أن قفزة الطماطم في رمضان ليست مفاجأة سماوية، بل نتيجة طبيعية لحكومة تفضل التبرير على الإدارة، وتترك أبسط السلع اليومية تتقلب بعنف ثم تطلب من الناس التفهم. فاصل العروات معروف. تكاليف الزراعة معروفة. سلوك الوسطاء معروف. الطلب الرمضاني معروف. وكل ذلك كان يمكن التعامل معه مسبقًا. لكن السلطة اختارت مرة أخرى أن تتحرك متأخرة، وأن تضع المواطن في آخر السلسلة: يشتري أغلى، ويأكل أقل، ويستمع أكثر إلى خطاب رسمي يشرح الأزمة بدل أن يمنعها.

