كشفت النيابة العامة، تفاصيل اتهامات جديدة ضد صبري نخنوخ وآخرين في القاهرة الجديدة، بعد بلاغ اقتحام معرض سيارات بالتجمع الخامس، وانتهت التحقيقات الأولية إلى حبسهم احتياطيًا وتوسيع نطاق القضية.
وتضع الواقعة الحكومة أمام سؤال مباشر عن نفوذ لم يظهر فجأة، لأن الاتهامات لا تقف عند مشاجرة مالية، بل تمتد إلى تشكيل عصابي وسلاح وآثار وخطف وتعذيب، وهي جرائم لا تنمو عادة خارج بيئة حماية أو تغاض.
هواتف المتهمين تقود إلى أخطر اتهام
بدأ مسار القضية ببلاغ من صاحب معرض سيارات اتهم فيه صبري نخنوخ وآخرين باقتحام المعرض بسبب خلافات مالية، والتعدي على أحد العاملين وإصابته، والاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة لإخفاء آثار الواقعة.
ثم تحركت النيابة العامة بعد تحريات الشرطة، فأصدرت قرارات ضبط وإحضار للمتهمين، كما أذنت بتفتيش مسكن نخنوخ والمقرات التابعة له، قبل أن تقرر حبس المتهمين 4 أيام وتجدد المحكمة حبسهم 15 يومًا.
وفي مسار زمني لاحق، كشف فحص هواتف المتهمين عن تسجيلات تنم، بحسب بيان النيابة، على وقائع خطف مقترنة بهتك عرض، واحتجاز مصحوب بتعذيب بدني، وإكراه على توقيع أوراق، وهي وقائع فتحت لها النيابة تحقيقات مستقلة.
ويمنح هذا التحول القضية وزنًا جنائيًا مختلفًا، لأن التسجيلات المزعومة لا تمثل دليلًا فرعيًا فقط، بل تنقل التحقيق من واقعة بلطجة داخل معرض إلى ملف اعتداء منظم على حرية أجساد الضحايا وكرامتهم.
وبحسب المحامي بالنقض عمرو عبد السلام، فإن ثبوت الخطف المقترن بهتك العرض يضع المتهمين تحت طائلة المادة 290 من قانون العقوبات، وهي مادة تقرر الإعدام إذا اقترنت جناية الخطف بهتك العرض.
لذلك، لا تبدو عبارة “الإعدام أو المؤبد” عنوانًا مثيرًا بقدر ما تعكس احتمالًا قانونيًا قائمًا داخل أوراق التحقيق، بشرط أن تثبت النيابة الوقائع، وتسمع أقوال المجني عليهم، وتقدم أدلتها أمام محكمة مختصة.
كما يفرض استدعاء المجني عليهم لسماع أقوالهم اختبارًا أخلاقيًا على الدولة، لأن الضحية في جرائم الخطف والتعذيب لا يحتاج إلى بيان رسمي فقط، بل يحتاج إلى حماية فعلية تمنع الترهيب والضغط والتسويات السرية.
ترسانة السلاح والآثار تكشف شكل العصابة
أسفر التفتيش، وفق بيان النيابة، عن ضبط وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلغ بسرقتها، إلى جانب بندقيتين آليتين، ورشاش، وطبنجة، وعدد من أسلحة الصوت وضغط الهواء، وذخيرة قاربت 1000 طلقة.
كما ضبطت جهات التحقيق 5 أجهزة اتصال غير مرخص بها و10 قطع أثرية، وهي مضبوطات توسع طبيعة الاتهام، لأنها تجمع بين سلاح ووسائل اتصال وآثار، وتكشف بنية نفوذ لا تقتصر على واقعة اعتداء عابرة.
ومن زاوية قانونية، ترفع حيازة الأسلحة والذخائر بدون ترخيص سقف العقوبة إلى السجن المشدد أو المؤبد وفق طبيعة السلاح والظروف المصاحبة، بينما تفتح حيازة الآثار بابًا مستقلًا لتحقيقات تتعلق بمصدرها وسلامة الاتجار بها.
ويربط ناصر أمين، المحامي أمام المحكمة الجنائية الدولية ومدير المركز العربي لاستقلال القضاء، بين جدية التحقيق والمقاضاة ومنع الإفلات من العقاب، وهي قراءة تجعل ملف نخنوخ اختبارًا للمحاسبة لا مجرد حملة إعلامية.
وبهذا المعنى، لا تكفي صور المضبوطات لإقناع الرأي العام، لأن السؤال الأهم يتعلق بمن سمح بتراكم هذه القوة خارج مؤسسات الدولة، ومن راقب شركة أمن وحراسة تتحدث التحريات عن استخدامها ستارًا لنشاط متهم بالعنف.
كذلك تطرح أجهزة الاتصال غير المرخصة سؤالًا عن حدود الحركة والتنظيم، لأن العصابات التي تستخدم السلاح والاتصالات والمقار لا تعمل عادة بمنطق المصادفة، بل تحتاج إلى إدارة وتمويل وحماية ومساحات آمنة.
أما وجود آثار ضمن المضبوطات فيضيف بعدًا آخر إلى القضية، لأن الاتجار أو الحيازة غير المشروعة للآثار يمس ثروة عامة، ويكشف أن المال المسلح لا يهدد الأفراد فقط، بل ينهب ذاكرة البلد نفسها.
من العفو إلى السلاح: سؤال الدولة الغائب
يعيد اسم صبري نخنوخ إلى الواجهة تاريخه الجنائي والسياسي المثير للجدل، بعدما سبق القبض عليه في أغسطس 2012 بالإسكندرية، ثم صدر بحقه حكم في قضايا بلطجة وسلاح ومخدرات، قبل خروجه بعفو رئاسي في 2018.
ولهذا السبب، لا تقف القضية الحالية عند شخص متهم، بل تفتح ملف العفو والانتقائية، لأن الدولة التي أخرجت رجلًا بهذا السجل مطالبة اليوم بتفسير كيف عاد اسمه وسط اتهامات أشد وأوسع.
وتقوي قراءة حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، هذا المحور الحقوقي، إذ يربط عمله العام بين العدالة الجنائية وضرورة فتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات، بما يجعل حماية الضحايا شرطًا لا ملحقًا.
ومن هنا، يصبح التشدد الرسمي الحالي موضع مساءلة، لأن الحكومة التي تتحدث عن هيبة القانون لا تستطيع إقناع الناس وهي تتجنب سؤال النفوذ، ولا تستطيع تحميل المجتمع ثمن بلطجة تمددت تحت عين الدولة.
كما أن عبارة النيابة عن أن القانون فوق الجميع تحتاج إلى تطبيق يتجاوز البيان، لأن المواطنين لا يقيسون هيبة القانون بعدد الكلمات، بل بمن يطبقه على الجميع و يحاسب من يحوز السلاح، ومن يكشف شبكات المال والحماية والرخص والتغطية.
وفي سياق التحقيقات المالية الموازية، تبدو ملاحقة عائدات النشاط الإجرامي خطوة ضرورية، لأنها قد تكشف كيف تحولت البلطجة إلى شركة وواجهة وأصول، وكيف انتقلت القوة من الشارع إلى مقرات تعمل تحت لافتات قانونية.
لذلك، يمثل ملف نخنوخ اختبارًا قاسيًا لحكومة تعاقب الفقراء بسرعة وتفاوض أصحاب النفوذ ببطء، لأن العدالة لا تكتمل بحبس احتياطي أو تصوير مضبوطات، بل بكشف الشبكة التي صنعت المتهم ثم ادعت مفاجأتها.
وتبقى الخاتمة الأوضح أن القضية، حال ثبوتها قضائيًا، لا تخص نخنوخ وحده، بل تخص دولة سمحت بتراكم السلاح والمال والبلطجة، ثم اضطرت إلى فتح الدفاتر بعدما انفجرت الواقعة أمام الناس.

