كشفت الأنباء المتداولة عن اتجاه شركة Bolt للانسحاب من السوق المصرية حجم التناقض بين خطاب الحكومة عن جذب الاستثمار الأجنبي، وبين الواقع الذي يجعل بقاء الشركات أصعب من دخولها. فحتى لو لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي من الشركة يؤكد الإغلاق النهائي، فإن مجرد تداول القرار بهذا الزخم يكفي لفضح مناخ أعمال مرتبك، وسوقًا يتسع نظريًا لكنه يزداد قسوة عمليًا على الشركات التي لا تملك قدرة ضخمة على الحرق المالي والمنافسة طويلة النفس.

 

وما يزيد الصورة سوءًا أن هذه الأنباء جاءت في توقيت إقليمي شديد الحساسية، بعد تصاعد الحرب في المنطقة وعودة المستثمرين الأجانب إلى حساب المخاطر من جديد، بينما وجدت الحكومة نفسها مرة أخرى عاجزة عن تقديم يقين اقتصادي حقيقي، لا للشركات الكبرى ولا حتى للتطبيقات التي تخاطب ملايين المستخدمين يوميًا. وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، ما زالت صفحات Bolt الخاصة بالقاهرة وخدمات الدعم ومتطلبات السائقين في مصر منشورة على موقع الشركة، بما يعني أن الانسحاب لم يُعلن رسميًا بعد، لكنه يظل مؤشرًا خطيرًا على هشاشة السوق وثقة المستثمر.

 

سوق كبير على الورق.. لكن الحكومة تتركه للأقوى فقط

 

السوق المصرية في النقل التشاركي ليست صغيرة ولا هامشية. تقارير السوق تشير إلى أن حجم سوق خدمات النقل الذكي في مصر بلغ نحو 1.84 مليار دولار في 2024، مع توقعات بوصوله إلى 3.61 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعًا بالزحام، وانتشار الهواتف الذكية، وارتفاع الطلب على النقل المريح والأقل كلفة. هذا يعني أن المشكلة ليست في غياب الطلب، بل في البيئة التي تحدد من يبقى ومن يخرج. فعندما تكون السوق واعدة بهذا الشكل ثم تتردد فيها أنباء خروج شركة دولية بعد فترة قصيرة من دخولها، فالمشكلة لا يمكن اختزالها في ضعف الطلب أو سوء التوقيت فقط.

 

المصادر التي تتحدث عن انسحاب Bolt تربط القرار بعدم القدرة على مجاراة المنافسة العنيفة، خصوصًا أمام inDrive وDiDi. وهذا تفسير منطقي جزئيًا، لأن السوق فعلًا شديدة التنافس، وتحتاج إلى إنفاق كبير على التسويق، والحوافز، ودعم السائقين، وتحسين التطبيق. لكن هنا يظهر سؤال الحكومة الغائب: ما الذي فعلته الدولة لتنظيم سوق يتسع لعدد من اللاعبين بدل أن يتحول إلى معركة استنزاف تخرج منها الشركات الأضعف تمويلًا؟ الحقيقة أن السلطة لم تبنِ بيئة تنافسية صحية، بل تركت السوق لقانون “الأكثر قدرة على الحرق”، من دون رؤية تنظيمية تحمي المستهلك أو تضمن عدالة المنافسة أو تشجع استدامة الاستثمار.

 

الدكتور أيمن إسماعيل، أستاذ ريادة الأعمال في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قال في حوار منشور العام الماضي إن الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر تواجه عقبتين أساسيتين: بيئة تشغيل معقدة وصعوبة الوصول إلى التمويل، مضيفًا أن الإطار التنظيمي لا يزال معقدًا أكثر من اللازم، مع وجود جهات تنظيمية متعددة تملك صلاحيات تقديرية واسعة. هذا التوصيف لا يخص تطبيقات النقل وحدها، لكنه يشرح جيدًا لماذا تبقى السوق المصرية جاذبة على مستوى الإمكانات، وطاردة على مستوى التشغيل الفعلي.

 

الحرب كشفت الضعف.. لكنها لم تصنعه من الصفر

 

ربط أنباء خروج Bolt بالحرب الإقليمية الأخيرة ليس خطأ، لكنه ليس التفسير الكامل أيضًا. نعم، تصاعد التوتر في المنطقة دفع مستثمرين أجانب إلى تقليص المخاطر، كما شهدت السوق المصرية بالفعل ضغوطًا بيعية من الأجانب في أدوات الدين والأسهم مع تسارع التطورات الجيوسياسية. لكن هذا النوع من الصدمات لا يطيح عادة بالشركات إلا عندما تكون أصلًا تعمل في بيئة ضعيفة وقابلة للاهتزاز. أي أن الحرب سرّعت القلق، لكنها لم تصنع مناخ الأعمال المرتبك من الصفر.

 

الباحث تيموثي كالداس من معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط وصف الاقتصاد المصري في أكثر من تحليل بأنه شديد الاعتماد على حلول مؤقتة وبيع أصول وتدفقات خارجية، لا على إصلاح هيكلي مستدام. وفي تعليق سابق على صفقات بيع الأصول قال إن الدولة “تبيع تحت الضغط” وإن هذا النموذج لا يحقق استقرارًا بقدر ما يؤجل الأزمة. هذا النوع من الاقتصاد لا يخلق طمأنينة لشركة نقل ذكي تحتاج إلى وضوح طويل الأجل، واستقرار نقدي، وسوق يمكن التنبؤ بها. بل يخلق العكس تمامًا: شركة تدخل على أمل التوسع، ثم تجد نفسها داخل اقتصاد شديد الحساسية لأي صدمة إقليمية أو نقدية.

 

أما الدكتور عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية، فيرى أن توسع حضور الدولة والجهات المرتبطة بها في الاقتصاد أضعف ديناميات الاستثمار وخلق بيئة غير متكافئة للقطاع الخاص. هذا الرأي لا يعني أن الجيش أو الدولة ينافسان Bolt مباشرة في النقل الذكي، لكنه يفسر المناخ العام الذي تتحرك فيه الشركات الأجنبية: دولة تقول إنها تريد القطاع الخاص، لكنها لا تزال تُبقي السوق محكومة بتدخلات واسعة وعدم يقين وقواعد تتغير تحت الضغط. في مثل هذا المناخ، تصبح المنافسة التجارية مجرد طبقة فوق أزمة أعمق تتعلق بالثقة في الاقتصاد نفسه.

 

خروج شركة واحدة ليس تفصيلًا.. بل إنذار لسوق كامل

 

قد يقول البعض إن خروج Bolt المحتمل لا يعني الكثير، لأن السوق ستظل مفتوحة أمام Uber وinDrive وDiDi وغيرها. هذا صحيح جزئيًا فقط. فالسوق قد تستمر، لكن خروج لاعب أجنبي يبعث برسالة سلبية إلى المستثمرين الآخرين: مصر قد تكون سوقًا ضخمة، لكن تحويل هذه الضخامة إلى ربح مستدام ليس مضمونًا، خصوصًا في ظل اضطراب العملة، وارتفاع كلفة التشغيل، وتعقّد البيئة التنظيمية، وعودة المخاطر الجيوسياسية بقوة. وهذا النوع من الرسائل أخطر من حدث الخروج نفسه، لأنه يرفع تكلفة قرار الاستثمار التالي.

 

والأفدح أن الحكومة ستتعامل مع الخبر، إذا تأكد، بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع أزمات أخرى: ستقول إن السوق واعدة، وإن شركات أخرى باقية، وإن المسألة مرتبطة بخيارات الشركة الداخلية. لكن هذا التبرير نفسه هو المشكلة. فالحكومة لا تريد أبدًا الاعتراف بأن السوق المصرية، رغم حجمها، باتت طاردة لجزء من الاستثمار الأجنبي الذي يحتاج إلى قواعد مستقرة ومنافسة عادلة وثقة في المستقبل. وهي لا تريد أيضًا الاعتراف بأن المستثمرين، من شركات التكنولوجيا إلى حاملي أذون الخزانة، أصبحوا أسرع في الهروب لأنهم لا يرون أساسًا صلبًا يكفي لامتصاص الصدمات.

 

الخلاصة أن أنباء انسحاب Bolt من مصر، سواء تأكدت رسميًا أو بقيت في نطاق التسريبات القوية، ليست مجرد خبر عن تطبيق نقل خسر معركة تنافسية. هي خبر عن دولة ما زالت تبيع للمستثمرين صورة سوق كبيرة، بينما تعجز عن توفير شروط البقاء فيها. وهي خبر عن حكومة تتفاخر بجذب الأموال حين تأتي، ثم تعتبر خروجها مجرد تفصيل حين ترحل. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأوضح أن السوق المصرية لا تعاني فقط من شراسة المنافسة، بل من سياسة اقتصادية تجعل الاستثمار نفسه قابلًا للتراجع عند أول اختبار جدي.