أعادت السلطة الجيش إلى قلب السوق الغذائية مع حلول رمضان، بعدما وجّه عبد الفتاح السيسي القوات المسلحة لتجهيز وطرح نحو 1.5 مليون عبوة غذائية بنصف الثمن، في خطوة تكشف حجم الاختناق المعيشي الذي وصل إليه ملايين المصريين، أكثر مما تكشف قدرة الدولة على الحل.
فحين تصبح المؤسسة العسكرية هي أداة التدخل السريع لضبط أسعار السلع الأساسية، فإن الرسالة السياسية والاقتصادية واحدة: الحكومة فشلت، وآليات السوق التي بشّرت بها السلطة لم تعد تكفي، وحتى التعهدات التي قُدمت لصندوق النقد بتقليص بصمة الدولة والمؤسسات المملوكة لها في الاقتصاد تتراجع فور انفجار الضغط الاجتماعي. والنتيجة أن المصريين لا يحصلون على سياسة اقتصادية ناجحة، بل على مسكنات موسمية تدير الغضب ولا تعالج أسبابه.
عودة الجيش ليست حلاً بل اعتراف صريح بالأزمة
البيان العسكري الصادر في 8 مارس 2024 كان واضحًا: القوات المسلحة كثفت جهودها لتوفير ما يقرب من 2 مليون حصة غذائية بنصف الثمن مع رمضان، بعد نمط متكرر في 2022 و2023 و2024 لتجهيز 1 مليون ثم 1.5 مليون ثم 3 مليون عبوة أو حصة غذائية بحسب المناسبة والضغط المعيشي. هذا التاريخ مهم، لأنه يوضح أن تدخل الجيش في الغذاء ليس إجراءً استثنائيًا مرتبطًا بلحظة طارئة فقط، بل صار جزءًا من طريقة إدارة الأزمة الاجتماعية في عهد السيسي. ومعنى ذلك أن الدولة لم تبنِ شبكة سوق مستقرة أو حماية اجتماعية كافية، بل اعتمدت على تدخل فوقي متكرر من المؤسسة العسكرية كلما انفجر الغلاء.
المنطقة الشمالية العسكرية واصلت أيضًا حملة “بلدك معاك” بالتعاون مع صندوق تحيا مصر ومؤسسات مجتمع مدني في يناير 2026، بما يؤكد أن المؤسسة العسكرية ما زالت حاضرة بقوة في إدارة ملفات الإعاشة والدعم الاجتماعي، لا في المجال الدفاعي فقط. هذا الامتداد لا يمكن قراءته بوصفه مجرد “مسؤولية مجتمعية”، لأن اتساعه بهذا الشكل يكشف أن الدولة المدنية نفسها لم تعد قادرة على أداء وظائفها الأساسية من دون الاتكاء على الجيش وشبكاته اللوجستية والتنفيذية.
وهنا يبرز رأي ديفيد لوبين من تشاتام هاوس، الذي كتب أن تحسن النظرة إلى الاقتصاد المصري في 2024 كان “نتاج حظ أكثر منه مهارة”، وربط ذلك بحصول مصر على موارد خارجية بحكم موقعها وأهميتها الجيوسياسية لا بسبب إصلاح ناجز. لوبين أشار أيضًا إلى أن انخراط الجيش في الاقتصاد واسع، وأن تقليص دوره بصورة مرئية صعب لأنه يمس بنية الحكم نفسها. هذا التوصيف يفسر لماذا يعود الجيش إلى الواجهة عند كل أزمة: لأن السلطة لم تبنِ اقتصادًا قادرًا على الصمود، بل بنت نظامًا لا يستطيع العمل من دون المؤسسة العسكرية.
صندوق النقد يطلب تقليص البصمة.. والسلطة تعود إلى الأدوات نفسها
صندوق النقد الدولي كان واضحًا في وثائقه الخاصة بمصر. برنامج الإصلاح، وفق صفحة الأسئلة والأجوبة الرسمية وتقارير الصندوق، يستند إلى “وثيقة ملكية الدولة” الهادفة إلى تقليص بصمة الدولة في الاقتصاد، وتحسين تكافؤ الفرص، وتعزيز دور القطاع الخاص. كما أن تقرير 2024 وملحقاته شددا على الحاجة إلى بيئة أكثر عدالة للمستثمرين وتقليص التشوهات التي تنتج عن هيمنة كيانات الدولة والمؤسسات المملوكة لها. لكن ما يحدث على الأرض يسير في الاتجاه المعاكس: عند أول موجة ضغط اجتماعي أو تضخمي، تعود الدولة إلى الجيش، لا إلى سوق أكثر تنافسية ولا إلى قطاع خاص أكثر كفاءة.
الخبير الاقتصادي عمرو عادلي يضع المسألة في إطار أعمق من مجرد تدخل لوجستي. فبحسب دراسة منشورة حديثًا حول نمو الاقتصاد العسكري في مصر وتأثيره على ديناميات الاستثمار وحقوق المستثمرين، فإن اتساع الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية منذ 2014 أضرّ بالاستثمار وخلق بيئة غير تنافسية وغير متكافئة. هذه الخلاصة لا تتعلق فقط بالمشروعات الكبرى أو الأراضي، بل تنسحب أيضًا على منطق السوق نفسه: كلما اتسع حضور مؤسسة تتمتع بامتيازات تنظيمية وتنفيذية، تقلص المجال الطبيعي لفاعلين مدنيين كان يُفترض أن يبنوا سوقًا مستقرة ومستقلة.
المفارقة أن الحكومة تريد الاستفادة من رسالتين متناقضتين في الوقت نفسه. أمام صندوق النقد تقول إنها تقلص دور الدولة وتفسح الطريق للقطاع الخاص. وأمام الداخل تعود إلى الجيش لتوزيع السلع، لأن ذلك أسرع سياسيًا وأضمن أمنيًا. لكن هذا التناقض لا يمكن أن يستمر بلا كلفة. فهو يبعث إشارة للمستثمرين بأن السوق ما زالت محكومة بتدخل الدولة الكبير، ويبعث للمواطنين بإشارة أكثر قسوة: السلطة لا تملك علاجًا حقيقيًا للغلاء، بل تملك فقط شبكة توزيع عسكرية مؤقتة.
الغاية الفعلية هي احتواء الغضب لا إصلاح السوق
التوقيت وحده يشرح كثيرًا. مصر تواجه تضخمًا مرتفعًا، وضغوطًا على العملة، وتراجعًا في بعض مصادر النقد الأجنبي، فضلًا عن أثر التوترات الإقليمية على النقل والطاقة والاستثمار. وفي هذا السياق، يصبح اللجوء إلى الجيش أداة سياسية بقدر ما هو أداة اقتصادية: الهدف ليس فقط بيع عبوات أرخص، بل منع تحوّل الغلاء إلى غضب اجتماعي أوسع في شهر شديد الحساسية مثل رمضان. وهذا ما يلتقطه تيموثي كالداس من معهد التحرير، الذي حذر مرارًا من أن الاقتصاد المصري يعاني أزمة معيشة ودين مزمنة، وأن أي تحسن ظاهري يظل مشروطًا بتوقف “الإنفاق غير الرشيد” والالتزام بإصلاح جاد، لا بمسكنات مؤقتة.
السلطة تحاول تقديم المشهد باعتباره تعبيرًا عن “انحياز الجيش للشعب”. لكن هذا التوصيف يتجاهل السؤال الأساسي: لماذا يحتاج الناس أصلًا إلى عبوات نصف الثمن من الجيش؟ إذا كانت الحكومة تدير الاقتصاد بكفاءة، وإذا كانت الإصلاحات المعلنة تعمل، وإذا كانت الأسواق مستقرة، فلماذا يتكرر هذا التدخل عامًا بعد عام؟ الإجابة الأقرب أن الدولة لم تمنع الغلاء، ولم تبنِ قنوات مدنية فعالة للحماية، بل اكتفت بإعادة تدوير المؤسسة العسكرية كجهاز توزيع، مرة عبر المنافذ، ومرة عبر القوافل، ومرة عبر صندوق تحيا مصر.
الخلاصة أن قرار تجهيز 1.5 مليون عبوة غذائية بنصف الثمن لا يثبت قوة الدولة، بل يفضح مأزقها. فالحكومة التي وعدت بالإصلاح انتهت إلى الاستنجاد مجددًا بالجيش لتسكين السوق، والجيش الذي قيل إن بصمته الاقتصادية ستتراجع عاد إلى الواجهة لأن السلطة لا تملك بديلًا أسرع. وبين هذين الفشلين يقف المواطن المصري أمام حقيقة أبسط: ما يصله في رمضان ليس ثمرة سياسة ناجحة، بل حصيلة اقتصاد مأزوم، وسلطة تخشى الغضب الشعبي أكثر مما تعالج أسباب الجوع والغلاء.

