بدأت مطارات وشركات طيران خليجية استعادة جزء محدود من حركتها التشغيلية مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يومها الثامن، لكن العودة جاءت حذرة ومقيدة ومشحونة بالقلق أكثر من كونها عودة طبيعية. فالمشهد حتى الآن لا يعكس استقرارًا فعليًا بقدر ما يكشف محاولة لإدارة الفوضى بأقل الخسائر، بعد أسبوع من الإغلاقات والإلغاءات وتعطل آلاف الرحلات وتقطع السبل بمسافرين في مطارات كانت حتى أيام قليلة تمثل قلب الربط الجوي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

 

وأعلنت طيران الإمارات استئنافًا جزئيًا لعملياتها في دبي، مع السماح للمسافرين أصحاب الحجوزات المؤكدة على رحلات ما بعد ظهر السبت بالتوجه إلى المطار إذا كانت رحلاتهم اللاحقة قيد التشغيل أيضًا، بينما بدأت مطارات دبي تشغيل بعض الرحلات من DXB وDWC مع التنبيه إلى أن الجداول قد تتغير وفق التطورات. وفي المقابل، أعلنت الخطوط الجوية القطرية تشغيل عدد محدود من الرحلات إلى مطار حمد الدولي الأحد عبر “ممر جوي آمن” مؤقت، لكنها شددت على أن ذلك لا يعني استئنافًا كاملًا للعمليات المجدولة.

 

دبي والدوحة تعودان بحذر والقيود ما زالت تحكم المشهد

 

العودة التشغيلية في دبي تبدو حتى الآن أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى استعادة كاملة لشبكة رحلات عملاقة. فبحسب البيانات المنشورة، أعادت دبي تشغيل بعض الرحلات فقط، بينما ذكرت تقارير حديثة أن مطار دبي الدولي يعمل بجزء محدود من طاقته، وأن طيران الإمارات وسعت عملياتها في بعض الأسواق مرتفعة الطلب مثل بريطانيا والهند والولايات المتحدة، في محاولة لتخفيف الاختناق واستعادة جزء من حركة العبور المتوقفة. كما أعلنت مطارات دبي تسيير أكثر من 1140 رحلة خلال 84 ساعة، وأن أكثر من 500 رحلة غادرت بين 2 و5 مارس مع توفير 105 آلاف مقعد إلى أكثر من 80 دولة، ما يعكس حجم الجهد المبذول لامتصاص الصدمة لا انتهاءها.

 

في الدوحة، تبدو الصورة أكثر هشاشة. فالخطوط القطرية أعلنت تشغيل رحلات محدودة فقط إلى مدن مثل لندن وباريس ومدريد وروما وفرانكفورت وبانكوك، على أن تكون مخصصة للمسافرين الذين وجهتهم النهائية الدوحة، مع طلب واضح بعدم الذهاب إلى المطار من دون تذكرة مؤكدة وصالحة للسفر. هذا يعني أن الشركة لا تزال تتحرك في إطار استثنائي ضيق، وأن الأولوية هي للسلامة وتقليل المخاطر، لا لإعادة بناء جدول الرحلات المعتاد. كما أن تقارير ملاحية حديثة ما زالت تعتبر أن عمليات الفتح والإغلاق في المنطقة “سائلة” ومتغيرة، ما يجعل السفر في اليوم نفسه غير مضمون حتى مع وجود إعلان تشغيل.

 

ويرى بريندان سوبي، المحلل المستقل في شؤون الطيران، أن أثر إغلاقات الأجواء في الشرق الأوسط كان “ضخمًا” وواسع المدى، لأن غالبية الحركة في مراكز الخليج الرئيسية تقوم أصلًا على ركاب الترانزيت، ما يعني أن أي تعطيل، ولو جزئي، يترك أثرًا مضاعفًا على الشبكة كلها. ويضيف أن أي محاولة لتعويض السعة المفقودة ستكون “فوضوية وتمتد لأسابيع”، لأن المطارات لا تستطيع استيعاب الطلب المتراكم دفعة واحدة. هذا التقدير يفسر لماذا تبدو العودة الحالية بطيئة رغم بدء فتح بعض الممرات.

 

البحرين مغلقة والعراق يمدد الإغلاق ومسقط تتحول إلى عقدة الإنقاذ

 

في الطرف الآخر من المشهد، لا تزال بعض العواصم بعيدة عن أي استئناف فعلي. فالمجال الجوي في البحرين بقي مغلقًا، وأكدت طيران الخليج أنها ستصدر تحديثًا لاحقًا، وهو ما يعني استمرار توقف المغادرات من المطار حتى إشعار آخر. كما أعلنت سلطة الطيران المدني العراقي تمديد إغلاق الأجواء العراقية أمام الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة لمدة 72 ساعة من ظهر السبت حتى الثلاثاء، في خطوة احترازية تعكس أن المخاطر العسكرية ما زالت أعلى من قدرة سلطات الملاحة على العودة الطبيعية.

 

وبين هذه الإغلاقات، برزت مسقط بوصفها المركز الرئيسي البديل لحركة الطيران والإجلاء في المنطقة. موقع Flightradar24 أكد أن العاصمة العمانية أصبحت محورًا لرحلات الإغاثة والإعادة، كما أشارت تقارير حديثة إلى أن شركات عدة وحكومات أجنبية استخدمتها لتجميع العالقين ثم نقلهم إلى أوروبا وآسيا. هذا التحول يوضح كيف غيّرت الحرب خريطة النقل الجوي خلال أيام فقط، فنقلت الثقل من مراكز كبرى مثل دبي والدوحة إلى نقطة أكثر أمانًا نسبيًا وأبعد عن مسارات الصواريخ والمسيّرات.

 

ويقول جون ستريكلاند، مستشار الطيران البريطاني، إن “مئات الآلاف من الناس” وجدوا أنفسهم في مطارات لم يكن يفترض أن يبقوا فيها أصلًا، وإن شركات الطيران دخلت سباقًا مع الوقت لتأمين مقاعد على مسارات أقل تعرضًا للاضطراب. هذه الملاحظة تفسر سبب امتلاء رحلات الإنقاذ من مسقط سريعًا، وتوضح أن الأزمة ليست فقط في الطائرات، بل في إعادة ترتيب الطواقم والطائرات والوجهات بعد أسبوع من الانقطاع.

 

أوروبا تتأثر والرحلات البديلة لا تعني نهاية الاضطراب

 

الاضطراب لم يبقَ خليجيًا فقط. فقد امتدت آثاره إلى أوروبا، حيث تأثر مطار هيثرو بالتغييرات، وأعلنت الخطوط الجوية البريطانية تشغيل رحلات إضافية من مسقط إلى لندن بين 9 و12 مارس، مع تأكيد أن رحلات 6 و7 و8 مارس كانت ممتلئة بالكامل. كما قال وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إن حكومته تعمل مع شركات الطيران التجارية لمساعدة البريطانيين على العودة، مع احتمال تنظيم مزيد من الرحلات المستأجرة من عمان، بينما أوضحت الحكومة البريطانية أنها نصحت بتجنب السفر إلى البحرين والكويت والإمارات وقطر إلا للضرورة القصوى.

 

في الوقت نفسه، وسّعت شركات دولية كبرى نطاق الإلغاء والتعليق. الخطوط الجوية التركية ألغت رحلاتها إلى قائمة طويلة شملت البحرين والرياض والدمام وإيران والعراق والأردن والكويت ولبنان وعُمان وقطر وسوريا والإمارات، بينما مددت الخطوط الجوية الفرنسية تعليق رحلاتها من وإلى دبي والرياض حتى 10 مارس، ومن وإلى تل أبيب وبيروت حتى 11 مارس. هذه القرارات تكشف أن الاستئناف الجزئي في بعض مطارات الخليج لا يعني أن شركات العالم الكبرى أصبحت واثقة من استقرار السماء فوق الشرق الأوسط.

 

ويرى هنري هارتفلت، رئيس مجموعة Atmosphere Research، أن تأثير هذه الأزمة “سيُشعر به عبر القارات الست المأهولة”، لأن إغلاق أو اضطراب ممرات الشرق الأوسط لا يمس رحلات المنطقة فقط، بل شبكات الربط العالمية كلها. ومع تحذير لوفتهانزا من أن الاعتماد على مراكز الشرق الأوسط يمثل نقطة ضعف جيوسياسية، يصبح واضحًا أن العودة الحالية ليست نهاية الأزمة، بل مجرد مرحلة هشة في نزاع يتطور بسرعة، ويمكن أن يغيّر شروط السفر الجوي في أي لحظة جديدة.