تحول شاطئ البيطاش بمحافظة الإسكندرية خلال أيام قليلة من حالة هدوء نسبي إلى مشهد عنيف من الأمواج المرتفعة والمنشآت المتضررة، بعد نوبة طقس عاصفة ضربت سواحل المدينة وأدت إلى غمر أجزاء من الكافيهات والمطاعم الواقعة على خط المياه، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات واسعة حول مستقبل الشواطئ السكندرية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وتزايد وتيرة العواصف البحرية.

 

المشهد اظهر اندفاع أمواج عالية نحو الشاطئ، وتراجع الرمال في بعض النقاط، وامتداد المياه إلى مناطق كانت تعد آمنة نسبيا، الأمر الذي أثار مخاوف الأهالي وأصحاب المنشآت الساحلية من تكرار هذه الأحداث وما قد تحمله من خسائر اقتصادية وبنيوية في المستقبل القريب.

 

ويرى خبراء البيئة أن ما شهدته المنطقة لا يمكن اعتباره حادثا منفصلا أو طارئا بالكامل، بل يأتي في سياق أوسع من التقلبات المناخية التي باتت تضرب سواحل البحر المتوسط بوتيرة أكبر، حيث أصبحت العواصف البحرية أكثر حدة وتكرارا مقارنة بالسنوات الماضية، بالتزامن مع ارتفاع تدريجي في درجات حرارة سطح البحر ومنسوب المياه.

 

طقس عاصف وأمواج مرتفعة

 

في هذا السياق، أوضح الدكتور وحيد إمام، الخبير البيئي، أن ما حدث في شاطئ البيطاش يعد ظاهرة جوية وبحرية شديدة لكنها مؤقتة من حيث المباشرة، مشيرا إلى أنها نتجت عن نشاط قوي للرياح الشمالية الغربية فوق البحر المتوسط، ما أدى إلى توليد أمواج محلية مرتفعة واندفاعها بقوة نحو الساحل.

 

وبيّن أن ارتفاع الموج تراوح بين 2.5 و5 أمتار، مع اضطراب عام في حالة البحر وانخفاض نسبي في الضغط الجوي، ما تسبب في ارتفاع مؤقت لمنسوب المياه الساحلية فيما يعرف بظاهرة “المد العاصفي”، لافتا إلى أن وقوع هذه النوبة في فبراير خارج ذروة الشتاء التقليدية يعكس اتساع نطاق التقلبات الجوية وامتدادها لفترات غير معتادة.

 

وأشار إلى أن هذه النوبات الجوية، رغم كونها مؤقتة في طبيعتها، باتت أكثر تكرارا وحدة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بارتفاع حرارة سطح البحر وزيادة طاقة العواصف، ما يضاعف من تأثيرها على الشواطئ والمنشآت الساحلية.

 

تآكل متسارع وخطر طويل المدى

 

وتؤكد دراسات وملاحظات ميدانية أن سواحل الإسكندرية، خاصة في مناطق الغرب مثل العجمي والبيطاش، أصبحت أكثر عرضة لتآكل الشواطئ مقارنة بالماضي، مع تزايد عدد مرات إغلاق الشواطئ بسبب اضطراب البحر وارتفاع الأمواج، إلى جانب ظهور عواصف غير موسمية.

 

وأوضح الخبير البيئي أن ارتفاع منسوب سطح البحر يعد عاملا مفاقما للأضرار، حتى إذا لم يكن السبب المباشر لكل نوبة عاصفة، مشيرا إلى أن المعدلات المسجلة في منطقة الإسكندرية تتراوح بين 3 و6 ملليمترات سنويا، وهي أعلى من المتوسط العالمي بسبب هبوط أرض الدلتا، بينما يصل متوسط التآكل الساحلي إلى نحو 3.5 متر سنويا خلال العقدين الأخيرين.

 

وحذر من أن السيناريوهات المتوقعة مع نهاية القرن قد تشهد ارتفاعا في مستوى البحر يتراوح بين نصف متر ومتر كامل، وهو ما قد يؤدي إلى غمر مناطق منخفضة وتراجع خط الساحل بشكل أكبر، ما يهدد منشآت سياحية وسكنية وبنية تحتية حيوية.

 

كما أشار إلى وجود خرائط ونماذج تنبؤية تحدد مناطق الهشاشة الساحلية، تظهر أن غرب الإسكندرية يعد من أكثر المناطق تعرضا للمخاطر، مع تسجيل تراجع ملحوظ في خط الشاطئ في بعض المواقع خلال السنوات الماضية عبر صور الأقمار الصناعية.

 

خسائر اقتصادية ومخاوف مجتمعية

 

الخسائر الاقتصادية بدت واضحة في المشهد الأخير، حيث تضررت منشآت سياحية وتجارية مطلة على الشاطئ، فيما عبّر عدد من أصحاب الكافيهات والمطاعم عن مخاوفهم من تكرار موجات الغمر، خاصة في ظل اعتماد نشاطهم على موسم الصيف والسياحة الشاطئية.

 

كما أبدى سكان المناطق القريبة من الساحل قلقهم من استمرار هذه الظواهر، وما قد تسببه من تهديد للممتلكات والبنية التحتية، خصوصا في المناطق المنخفضة التي قد تتأثر بارتفاع منسوب المياه والعواصف المتكررة.

 

 

حاجة إلى إجراءات وقائية عاجلة

 

وشدد الخبراء على ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة لحماية الشواطئ، تشمل تطوير حواجز الأمواج والجدران البحرية بتصميمات تتحمل ارتفاعات أكبر، وتدعيم الشواطئ بإضافة الرمال، وإعادة تنظيم المنشآت المقامة مباشرة على خط المياه أو إزالة غير الآمن منها، إلى جانب سن تشريعات تحد من البناء في المناطق عالية الخطورة.

 

كما طالبوا بتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف المتابعة الجوية والبحرية خلال فترات التقلبات، لضمان سرعة الاستجابة وتقليل الخسائر المحتملة.