تمدد إضراب معلمي المرحلة الثانوية في تونس، الثلاثاء، إلى ولايات الوسط للمطالبة برفع الرواتب وفتح باب التفاوض، بعد يوم واحد من تنفيذ الإضراب في 11 ولاية بالشمال ضمن تحركات أعلنتها الجامعة العامة للتعليم الثانوي. الحكومة، في المقابل، تؤكد أن قرار الزيادة في الأجور لا يزال “قيد الدراسة”، وهو ما يدفع الأزمة إلى مربع التصعيد بدل التهدئة.



تمدد الإضراب من الشمال إلى الوسط: أرقام المشاركة ورسالة النقابة



الجامعة العامة للتعليم الثانوي، التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، أعلنت تنفيذ إضراب عام عن التدريس في 6 ولايات بوسط البلاد: القصرين وسيدي بوزيد والقيروان وسوسة والمنستير والمهدية. الإضراب يأتي تحت عنوان واحد: بدء مفاوضات مع وزارة التربية حول زيادة أجور المعلمين، ووقف ما تعتبره النقابة غلقًا لباب الحوار.



نور الدين رويس، عضو الجامعة العامة للتعليم الثانوي، قال إن إضراب الوسط استكمال لتحركات الشمال، مشيرًا إلى أن نسبة المشاركة “تخطت 60 بالمئة”. هذه النسبة تُستخدم نقابيًا كدليل على القدرة التعبوية، وكسقف ضغط على الوزارة قبل انتقال التحرك إلى الجنوب ضمن الرزنامة المعلنة سلفًا.



التحرك ليس يومًا منفردًا. الجامعة العامة للتعليم الثانوي أعلنت منذ 2 فبراير إضرابًا عن التدريس لمدة 3 أيام موزعة إقليميًا: 16 فبراير بالشمال (11 ولاية)، و17 فبراير بالوسط (6 ولايات)، و18 فبراير بالجنوب (7 ولايات). هذا التدرج يجعل كل يوم اختبارًا جديدًا للحكومة ولقدرة المؤسسات على استيعاب توقف الدروس.



اتفاقا 2019 و2023 في قلب النزاع: زيادات “موقعة” والتزام تقول النقابة إنه تراجع



النقابة تقول إنها لا تتحرك من فراغ. المعلمون اجتمعوا داخل المعاهد الثانوية لتقييم مسار التحركات ورسم خطوات لاحقة، مع تمسك صريح بما تعتبره “اتفاقات موقعة” ورفض أي تراجع عن زيادات تم إقرارها. جوهر الرسالة: الإضراب وسيلة لإعادة فتح التفاوض، لا مجرد احتجاج رمزي.



محمد الصافي، السكرتير العام للجامعة العامة للتعليم الثانوي، سبق أن صرّح بأن الإضراب يأتي احتجاجًا على “غلق باب التفاوض” من قبل وزارة التربية. الصافي يطالب بتطبيق ما ورد في اتفاقيتي 9 فبراير 2019 و23 مايو 2023، ويؤكد أن الحكومة التزمت بزيادة إجمالية قدرها 300 دينار للمدرسين على مدى 3 سنوات، وهو رقم أصبح محور الصراع الحالي.



الصافي يضيف تفصيلًا يزيد من حدة الخلاف: الاتفاق، وفق ما يورده، لم يكن بين النقابة ووزارة واحدة فقط. هو يقول إن 4 جهات حكومية وقعت عليه: رئاسة الحكومة ووزارات التربية والمالية والشؤون الاجتماعية. في منطق النقابة، تعدد الموقّعين يعني تعدد المسؤوليات، ويجعل أي تأخير أو تعديل بمثابة تراجع عن التزام رسمي.



وفي تفسيره لسبب التصعيد، قال الصافي في تصريحات إذاعية إن اتفاق 23 مايو 2023 ينص على زيادة تمتد 3 سنوات بمعدل 100 دينار عن كل سنة، “بداية من يناير 2026”. هذا التفصيل يفسر حساسية التوقيت: النقابة تعتبر أن الاستحقاق دخل زمنه، وأن التأخير لم يعد قابلًا للتأويل كمسألة ترتيب إداري.



الحكومة تقول “قيد الدراسة”: كلفة الأجور والطلاب بين توقف الدروس وتوتر اجتماعي مزمن



من جهة الحكومة، صرّح وزير التربية نور الدين النوري أمام مجلس النواب، خلال مناقشة موازنة الوزارة في نوفمبر، بأن قرار الزيادة في أجور المدرسين لا يزال قيد الدراسة. هذا الموقف يضع الدولة في مساحة رمادية: لا رفض قاطع ولا التزام بموعد، وهو ما تدفع النقابة إلى اعتباره “غلقًا للتفاوض” عمليًا.



ويرى الخبير الاقتصادي معز الجودي، رئيس الجمعية التونسية للحوكمة، أن كتلة الأجور تمثل ضغطًا كبيرًا على المالية العامة، وقد تحد من قدرة الدولة على الاستثمار. طرح الجودي يُستخدم هنا لتفسير جانب من تردد الحكومة في فتح زيادات جديدة، حتى عندما تكون مطلوبة اجتماعيًا، لأن هامش الحركة المالي يصبح ضيقًا.



وسط هذا الشدّ، تقف المدرسة العمومية أمام كلفة مباشرة. الإضراب يستهدف التعليم الإعدادي والثانوي العمومي وفق بيانات نقابية منشورة، ما يعني اتساع الأثر على سير الدروس. وفي تونس، تضم منظومة المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية نحو 1,568 مؤسسة تربوية ضمن أرقام رسمية للدخول المدرسي، ما يجعل أي توقف واسع للتدريس حدثًا وطنيًا لا محليًا.



التوتر بين الحكومة والنقابات التعليمية ليس جديدًا، لكنه يعود بحدة كلما اصطدم ملف الأجور بملف الموازنة. التحرك الحالي يأتي على خلفية مطالب بتحسين الأوضاع المعيشية وتطوير البنية التحتية للمدارس، وهو ما يدفع ملف التعليم إلى صدارة المشهد الاجتماعي والاقتصادي. وفي حسابات النقابة، الضغط الإقليمي المتدرج يهدف لإجبار الوزارة على التفاوض قبل أن يتحول التعطل إلى أزمة زمن مدرسي كاملة.