تتجه الحكومة لنقل عدد من الفنادق التاريخية والأصول السياحية المملوكة للدولة إلى مظلة صندوق مصر السيادي. الهدف المعلن هو توحيد الإدارة وتسريع قرارات الاستثمار. الخطة تراهن على شراكات مع مشغلين أجانب. وتستهدف زيادة التدفقات الدولارية من السياحة. في المقابل، يفتح القرار باب أسئلة صريحة حول الحدود بين “إدارة أكثر كفاءة” و“تمهيد للبيع أو التخارج”.

 

نقل الأصول إلى صندوق مصر السيادي

 

بحسب ما يتداول عن مصادر حكومية رفيعة، تستند الخطوة إلى فكرة واحدة. جمع أصول متفرقة تحت كيان استثماري واحد. ثم التعامل معها بمنطق الصفقة لا منطق المكاتبات. هذا التحول يعني عمليًا نقل مركز القرار من جهات تشغيلية متشعبة إلى مظلة الصندوق. الحكومة تعتبر ذلك مدخلًا لقرارات أسرع. ومعها مفاوضات أسهل مع شركاء من الخارج. لكنها لم تعلن بعد تفاصيل الحوكمة أو حدود التفويض.

 

القائمة المطروحة تشمل أصولًا بارزة وثقيلة الوزن في سوق الضيافة. من بينها مشروع تطوير فندق نايل ريتز كارلتون. وفندق إنتركونتيننتال سميراميس. إضافة إلى فندق شبرد. وشتيجنبرجر اللسان. إلى جانب فنادق وعلامات فندقية أخرى مملوكة للدولة. وجود هذه الأسماء بالتحديد يوضح أن الحديث ليس عن أصول هامشية. بل عن واجهات تاريخية ومواقع ذات قيمة تجارية ورمزية. وأي تغيير في ملكيتها أو تشغيلها يترك أثرًا على السوق وصورة الدولة.

 

التوقعات تشير إلى الانتهاء من اللمسات النهائية للخطة قبل نهاية النصف الأول من العام الجاري. هذا الإطار الزمني ضيق قياسًا بحجم الأصول وتعقيد أوضاعها القانونية والتشغيلية. وهو ما يرفع أهمية الشفافية في الخطوات التالية. مثل تقييم الأصول. وآلية الاختيار بين الشراكة والإدارة والتطوير. وحدود ما سيبقى مملوكًا للدولة وما قد ينتقل إلى شريك. لأن الغموض في هذه المرحلة يخلق مخاطر سياسية واستثمارية معًا.

 

وعود التعظيم مقابل التزامات الإصلاح

 

الحكومة تقدم النقل باعتباره “إعادة هيكلة لتعظيم العائد”. الرسالة الأساسية أن الصندوق أكثر مرونة من الأجهزة التقليدية. وأنه أقل تعرضًا للتعقيدات البيروقراطية. بالتالي يستطيع جذب استثمارات أجنبية مباشرة. ورفع كفاءة التشغيل. وتحقيق عوائد مستدامة بالعملة الصعبة. منطق الحكومة هنا يقوم على أن السياحة مورد سريع التحول إلى دولار. وأن تحسين التشغيل والتسويق وربط الفنادق بسلاسل إدارة عالمية يرفع نسب الإشغال ومتوسطات الأسعار.

 

القرار لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع. فهو جزء من برنامج لطرح أصول وشركات حكومية أمام القطاع الخاص. ضمن التزامات إصلاح اقتصادي متفق عليها مع صندوق النقد الدولي. الإطار العام معروف. تعزيز دور القطاع الخاص. وتقليص مساهمة الدولة في النشاط الاقتصادي. في هذا السياق، يصبح نقل الفنادق إلى الصندوق خطوة انتقالية. قد تسبق شراكات. وقد تسبق تخارجًا جزئيًا أو كليًا. وهو ما يجعل سؤال “النقل لماذا؟ ثم إلى أين؟” سؤالًا مركزيًا وليس تفصيليًا.

 

الجدل: سيولة سريعة أم خسارة دخل مستدام

 

الجدل ارتفع فور طرح الفكرة. لأن نقل الأصول العامة يُقرأ لدى كثيرين كأداة لمعالجة أزمة تمويل. لا كخطة قطاعية للسياحة فقط. خصوصًا مع ضغوط تمويلية وارتفاع الدين الخارجي في السنوات الأخيرة.

الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي يلخص الاعتراض في نقطة عملية. بيع الأصول أو التخارج منها يمنح سيولة آنية. لكنه لا يمس جذور المشكلة المرتبطة بضعف الإنتاج والصادرات. التحذير هنا مباشر. الإيراد السريع قد يأتي على حساب دخل كان يمكن أن يستمر.

 

ممدوح الولي يركز على زاوية مختلفة لكنها تصب في الاتجاه نفسه.

التوسع في بيع الأصول الرابحة، وفق رؤيته، قد يحرم الأجيال القادمة من مصادر دخل مهمة.

وهو لا يرفض تحسين الإدارة أو الشراكة من حيث المبدأ؛ لكنه يدفع النقاش نحو بديل واضح: التركيز على زيادة الصادرات وإعادة هيكلة الإنفاق العام بدل الاعتماد على نقل أو بيع أصول قائمة.

الرسالة الضمنية أن إدارة الأزمة عبر “الأصول” تظل حلًا قصير النفس إذا لم تتغير قدرة الاقتصاد على توليد دخل جديد.

 

مصطفى عبد السلام يربط بين النقل ونتيجته المتوقعة على مسار التعاقدات.

نقل الأصول إلى الصندوق، بحسب ما طرحه في تصريحاته، يسهل عمليات الشراكة أو البيع.

لكنه يشدد على شرطين لا يمكن تجاهلهما. الشفافية. والرقابة البرلمانية.

هذا التشديد يحول النقاش من “هل ستنجح الخطة؟” إلى “كيف ستدار؟ ومن يراجعها؟”.

لأن أي صفقة بلا إفصاح كافٍ عن التقييم وشروط التشغيل ومدة التعاقد قد تثير شكوكًا أكبر من المكاسب المتوقعة.

 

ويضيف زياد بهاء الدين، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الوزراء الأسبق، بعدًا مؤسسيًا للنقاش في مداخلاته العلنية حول إدارة أصول الدولة.

الفكرة ليست رفض الشراكة مع القطاع الخاص. بل ضبط قواعدها. الإفصاح عن معايير الاختيار.

وإتاحة رقابة فعالة تمنع تضارب المصالح وتضمن تعظيم القيمة.

هذا النوع من الضوابط يصبح أكثر إلحاحًا عندما تكون الأصول “رمزية” ومحققة لإيرادات.

لأن أي انطباع بأن القرار يدار بمنطق التعجل قد يرفع كلفة الثقة ويضعف جاذبية الاستثمار نفسه.

 

في النهاية، النص الرسمي يركز على توحيد الإدارة وتسريع الاستثمار وجذب مشغلين أجانب لزيادة التدفقات الدولارية.

والنص النقدي يركز على المخاطر. فقدان أصول تدر دخلًا مستدامًا. وتحويل الأزمة إلى “صفقات أصول” بدل علاج ضعف الإنتاج والتصدير.

 

نقطة الالتقاء الوحيدة بين الطرفين واضحة.

لا أحد يعترض على تحسين التشغيل.

الاعتراض يدور حول طبيعة العقود وحدود التخارج وعلنية المعلومات.

لذلك، اختبار الخطة لن يكون في الإعلان عنها.

بل في تفاصيل التقييم، وشروط الشراكة، وما إذا كانت الدولة تحتفظ بعائد طويل الأجل لا يذوب أمام احتياج سيولة سريع.