لم تكن تغريدة ممدوح حمزة على «إكس» مجرد انفعال عابر، بل شهادة قاسية على سقوط مشروع ادّعى أنه يبني «جمهورية جديدة»، ثم انتهى بعد ثلاثة عشر عامًا إلى إعادة تدوير نفس الوجوه التي أفسدت حياة المصريين في عصر مبارك.
حين يقول حمزة إن الاستعانة بوعاء عصر مبارك لملء قيادات الدولة هو «إعلان إفلاس سياسي»، فهو يختصر حقيقة مرة: هذه السلطة، بكل ما امتلكت من وقت وموارد ونفوذ، لم تنتج كفاءة حقيقية واحدة، ولم تسمح لوجوه نظيفة بالوصول، بل اكتفت بفتح المخازن القديمة وإخراج نفس الزمرة: جنرالات في الواجهة، وخلفهم رجال أعمال فاسدون من عينة محمد أبو العنين، وأحمد عز، ويوسف بطرس غالي، وطلعت مصطفى، وغيرهم ممن يعرفهم الشارع جيدًا ويحفظ سجلهم عن ظهر قلب.
الاستعانه بوعاء عصر مبارك لملئ قيادات دوله وحكومه الحاضر هو إعلان افلاس سياسي
— Mamdouh Hamza (@Mamdouh_Hamza) January 29, 2026
بمعني ان ١٣ عاما من الجمهورية الجديده لم تنبت كفاءات
جمهورية جديدة بشاشة الجنرالات ووجوه مبارك القديمة
منذ أن رُفع شعار «الجمهورية الجديدة» والإعلام الرسمي يبيع للناس وهم الدولة العصرية، والإنجازات، والمشروعات العملاقة.
لكن ما إن ننظر إلى من يمسك بالمفاتيح فعليًّا حتى نكتشف أن الجديد الوحيد هو حجم نفوذ العسكر، أما الوجوه فمعظمها من مخلفات النظام السابق أو من تربى في حضنه.
تتحول الوزارات والهيئات والمحافظات إلى ثكنات يديرها جنرالات حاليون أو سابقون، بينما الكراسي الاقتصادية الثقيلة تُمنح لرجال أعمال من نفس المدرسة القديمة التي أفقرت المصريين في العقدين الأخيرين من حكم مبارك.
محمد أبو العنين يعود كنائب ورجل دولة وإمبراطور بيزنس في الوقت نفسه، كأن شيئًا لم يكن، وكأن الحديث عن تضارب المصالح والاحتكار مجرد طرفة قديمة.
أحمد عز، رمز احتكار الحديد واستغلال التشريع لخدمة مصالحه، يعود اسمه وأدواره الاقتصادية والسياسية عبر بوابات مختلفة، في رسالة صريحة أن من تمرد الشعب عليهم في يناير يمكن إعادة تدويرهم بسهولة إذا رضي عنهم الجنرال.
يوسف بطرس غالي، الذي ارتبط اسمه بوصفات مالية أرهقت الفقراء ورسخت الظلم الضريبي، تتسرب أفكاره ومنطقه من جديد داخل طريقة إدارة الدولة للاقتصاد، حتى لو غاب جسده عن الصورة.
وطلعت مصطفى، الذي مثل نموذجًا صارخًا لتحالف المال والسلطة في ملف الأراضي والإسكان، ما زال يشكل أحد عناوين هذا التحالف في صورته الجديدة، بين قصور فاخرة ومجتمعات مغلقة وأسعار تسحق الطبقة الوسطى.
هذه ليست جمهورية جديدة، بل «جمهورية مبارك» بعد إعادة تغليفها في عبوة عسكرية أكثر خشونة، أضيف إليها فقط المزيد من الأكتاف الذهبية، مع نفس العقول التي لا ترى في البلد إلا غنيمة تُقسَّم بين العسكري والبيزنس مان.
غياب الكفاءات أم إعدامها على يد المنظومة؟
حين يكتب ممدوح حمزة أن ثلاثة عشر عامًا لم تُنبت كفاءات، فهو لا يتهم المصريين بالعجز، بل يفضح منظومة حكم تتعمد خنق أي كفاءة لا تنتمي إلى شبكات الولاء والفساد.
فمصر لم تُفلس علميًا ولا مهنيًا، الجامعات تمتلئ بخبراء حقيقيين، والقطاع الخاص يضم آلاف المديرين المحترفين، والمصريون في الخارج يديرون مؤسسات عالمية في أكبر اقتصاديات العالم. لكن السؤال: من المسموح له أن يقترب من «دائرة القرار»؟
الجواب واضح من التعيينات والاختيارات: من يحمل ملف خدمة في المؤسسة العسكرية أو الأمنية، ومن يثبت أنه «رجل مصالح» جاهز لتوظيف ثروته وشبكاته لصالح النظام، هو الأقرب دائمًا، مهما كان سجله في الاحتكار أو الاستغلال أو الفشل.
أما الكفاءات المستقلة فإما أنها مطاردة أو مُهمشة أو مجبرة على الصمت.
من يرفض أن يكون واجهة لتبرير قرارات جاهزة يُقصى مبكرًا، ومن يجرؤ على النقد يدفع الثمن تشويهًا أو اعتقالًا أو نفيًا.
هكذا لا يغيب الكفاءات لأن المجتمع عاجز عن إنتاجها، بل لأن السلطة اختارت أن تحكم بمنطق «أهل الثقة لا أهل الخبرة».
الجنرال لا يريد وزيرًا قويًّا يناقشه، بل موظفًا مطيعًا يوقع على ما يُملى عليه.
ورجل الأعمال الفاسد لا يريد دولة قوية تفرض القانون، بل سلطة ضعيفة أخلاقيًا، تحتاج إلى أمواله ودعمه الإعلامي، فتغض الطرف عن احتكاره وفساده.
في هذه المعادلة، كل صاحب ضمير عبء يجب التخلص منه، وكل صاحب سوابق فساد يمكن غسله وإعادة تدويره إذا أعلن ولاءه.
عودة رجال مبارك: إهانة لثورة يناير وازدراء لعقول المصريين
حين يرى المواطن اليوم الأسماء نفسها التي ملأت بلاغات الفساد قبل ٢٠١١، وأثارت غضب الشارع في لحظة انفجار يناير، تعود مرة أخرى إلى البرلمان، واللجان الاقتصادية، وشاشات التلفزيون، وصالونات السياسة، يدرك أن هذا النظام لا يرى في الشعب طرفًا يجب احترام ذاكرته، بل جمهورًا يمكن خداعه وإرهاقه حتى يستسلم.
إعادة هيكلة الاقتصاد على مقاس محمد أبو العنين وأحمد عز وطلعت مصطفى، وإعادة الاعتبار لمنطق يوسف بطرس غالي في الضرائب والديون، تعني ببساطة أن من دمروا حياة ملايين الفقراء، وعمقوا الفجوة الطبقية، ما زالوا هم المرجعية.
أما الحديث المتكرر عن «محاربة الفساد» و«الحزم مع رجال الأعمال»، فيسقط أمام مشهد رجال الأعمال وهم يملأون الصفوف الأولى في المؤتمرات، ويقبضون على أهم مفاصل الاقتصاد، بينما تُفرض الضرائب والرسوم والغلاء على الفئات الأضعف.
هذه ليست حربًا على الفساد، بل إعادة توزيع لغنائم الدولة بين تحالف العسكر والبيزنس، مع استخدام أجهزة الأمن والقضاء والإعلام لحماية هذه القسمة ومن يربح منها.
في ظل هذا كله، تبدو تغريدة ممدوح حمزة أقرب إلى محضر اتهام مختصر: نظام يرفع شعارات جديدة بوجوه قديمة، يطارد الكفاءات النظيفة ويُعيد تدوير الفاسدين، ويحوّل البلد إلى مزرعة مغلقة على تحالف الجنرالات والمليارديرات.
إفلاس سياسي؟ نعم، بل أخلاقي أيضًا. فدولة لا تحترم ذاكرة شعبها، ولا تعترف بجرائم من نهبوه من قبل، وتصر على تسليمهم مفاتيح الحاضر، لا يمكن أن تبني مستقبلًا إلا على مزيد من الخراب… مهما غلّفت فشلها بشعارات «الجمهورية الجديدة».

