تتصاعد في قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة التقارير الإعلامية وتصريحات فصائل المقاومة حول وجود مجموعات محلية مسلحة تعمل خارج الإطار الوطني الفلسطيني، وتتهمها هذه الجهات بأنها تعمل لصالح الاحتلال الإسرائيلي.
يعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجارب تاريخية انتهت غالبًا بانهيار هذه التشكيلات مع تغيّر موازين القوة، محذرًا المجتمع الفلسطيني من تكرار السيناريو ذاته.
ظهور مجموعات محلية مسلحة
تشير مصادر إعلامية وفصائل مقاومة فلسطينية إلى وجود عدة مجموعات مسلحة محلية يُشتبه بأنها تعمل لصالح الاحتلال في بعض مناطق القطاع، بعضها مرتبط بجمع المعلومات ومهام أمنية محلية.
وتداول ناشطون وتقارير صدرت عن فصائل المقاومة أسماء عدة شخصيات على نطاق واسع، على مسؤولية الاتهام، منها: ياسر أبو شباب – تمت تصفيته –، غسان الدهيني، ياسر حنيدق، رامي حلس، شوقي أبو نصيرة، وغيرهم.
تحذير من الواقع في غزة
يقول الخبير في علم الاجتماع والحرب النفسية، الدكتور إبراهيم أبو عرقوب، مستعرضا دوافع نشأة هذه المليشيات والمنشقين أو ما يسمى بـ”الطابور الخامس”، إن هذا المصطلح ظهر أثناء الحرب الأهلية الأسبانية في الأعوام 1936 – 1939 وكان أول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار، فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة الجمهورية التي كانت ذات ميول ماركسية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها أخذ هذا المصطلح يطلق على الجواسيس في الحرب.
دروس "روابط القرى"
وأشار أبو عرقوب في حديث مع “قدس برس” إلى أن الأراضي الفلسطينية شهدت تجربة سابقة مع “روابط القرى” التي أنشأها الاحتلال الإسرائيلي عام 1978، ثم تحولت إلى “اتحاد روابط القرى” عام 1982 بهدف خلق قيادة بديلة للمنظمة الوطنية الفلسطينية.
لكن المقاطعة الشعبية الفلسطينية، إلى جانب تغير أولويات القيادة الإسرائيلية، أدى إلى تفكك المشروع وانتهائه قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى، مؤكدًا أن “غياب الشرعية الشعبية يقود هذه التجارب للفشل رغم الدعم الخارجي”.
جيش لبنان الجنوبي… الانهيار السريع
تبرز تجربة “جيش لبنان الجنوبي” نموذجًا واضحًا على هشاشة أدوات الاحتلال. تأسس بدعم إسرائيلي خلال احتلال جنوب لبنان، لكنه انهار سريعًا بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، حيث فرّ معظم عناصره إلى الأراضي المحتلة، فيما تعرض آخرون لعزلة اجتماعية وملاحقات من المقاومة اللبنانية.
تعكس هذه التجربة أن أي تشكيل مرتبط بالاحتلال يبقى هشًا أمام إرادة المجتمع المحلي والمقاومة.
فيتنام والهروب الكبير
في تجربة دولية أخرى، طبّقت الولايات المتحدة عام 1962 برنامج “هاملت الاستراتيجي” عبر إنشاء قرى محصنة لعزل السكان عن مقاومة “الفيت كونغ”.
لكن البرنامج فشل بسبب النقل القسري للسكان، ما عزز المقاومة الشعبية، وانتهى بسقوط حكومة فيتنام الجنوبية عام 1975 تحت ضربات قوات “الفيت كونغ”، في مشهد شهد هروب آلاف المتعاونين مع القوات الأمريكية عبر الطائرات العسكرية، وهو ما عرف بـ “الهروب الكبير”، مؤشرًا على أن أي تشكيل مرتبط بقوة خارجية بلا دعم شعبي معرض للانهيار الكامل.
الصحوات العراقية وأفغانستان
شكّلت الولايات المتحدة في العراق عام 2006 ما عرف بـ”الصحوات”، وهي تشكيلات عشائرية مسلحة لمحاربة تنظيم “القاعدة”.
بدأت هذه التشكيلات بدعم أمريكي مباشر، لكنها واجهت تفككًا سريعًا بعد تراجع الدعم ودمج محدود جدًا في مؤسسات الدولة، ما أدى إلى انهيارها وفتح المجال أمام استهداف قادتها وملاحقة عناصرها من قبل الحكومة أو الجماعات المسلحة الأخرى.
في أفغانستان، انهارت الحكومة المدعومة أمريكيًا بسرعة عقب انسحاب القوات عام 2021، في مؤشر واضح على هشاشة التشكيلات المحلية التي تعتمد على دعم خارجي دون امتداد مجتمعي.
مقومات الفشل المشتركة
يقول الكاتب والناشط الغزي، بلال جميل، إن القاسم المشترك بين هذه التجارب بتمثل في: فقدان الشرعية الوطنية. اعتماد التشكيلات على الدعم الخارجي بشكل كامل. تحويلها إلى أدوات قمع داخل المجتمع المحلي. وهشاشة البنية التنظيمية وفسادها البنيوي.
وأشار إلى أن هذه العوامل تجعل أي مليشيات محلية تحت الاحتلال “محكومة بمصير واحد”، سواء عبر نجاح مؤقت ينتهي بتخلي الاحتلال عنها، أو انهيار سريع بفعل رفض المجتمع والضغط الميداني.
سيناريوهات محتملة لمستقبل هذه المليشيات
يضيف الدكتور جميل: “تشير التجارب التاريخية إلى مسارين محتملين لهذه التشكيلات في غزة: استمرار مؤقت مرتبط بظروف الحرب والدعم الخارجي، ثم التخلي عنها كورقة محروقة، أو انهيار سريع بسبب الرفض المجتمعي والضغط الميداني، كما حدث في فيتنام، لبنان، والعراق”.
وأضاف أن الأدوات المحلية المرتبطة بالاحتلال نادرًا ما استطاعت التحول إلى كيانات مستقرة أو مقبولة مجتمعيًا، وهو ما يجعل أي مليشيات جديدة في غزة تواجه مصيرًا مشابهًا، مهما بدا نفوذها في البداية قويًا.
ويشار إلى أن الساحة الداخلية في قطاع غزة، تشهد منذ دخول وقف إطلاق النار الأخير حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، حالة توتر أمني غير مسبوقة، عقب تنفيذ الأجهزة الأمنية في القطاع سلسلة كمائن استهدفت مليشيات مسلحة متعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي، أسفرت عن مقتل واعتقال عدد من عناصرها وإخضاعهم للتحقيق.
وتعكس هذه التطورات تعقيدات المشهد الأمني في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والأمنية للاحتلال مع أدوار هذه المليشيات في محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي، مستفيدة من سيطرة جيش الاحتلال على أكثر من نصف مساحة ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، الذي يشكّل نطاق تمركز رئيسيًا لهذه التشكيلات.

