تكشف وقائع القضية رقم 1631 لسنة 17 قضائية أمام المحكمة الاقتصادية عام 2025 عن أزمة غير مسبوقة في قلب وزارة الثقافة المصرية، بعد إدانة الوزيرة الجديدة جيهان محمد إبراهيم زكي في واقعة تعدٍّ على حقوق الملكية الفكرية تخص كتابًا بحثيًّا وسير ذاتيًّا للصحفية والكاتبة سهير عبد الحميد حول شخصية قوت القلوب الدمرداشية، والحكم بتغريمها 100 ألف جنيه، في قضية تستند إلى مضاهاة تفصيلية للنصوص أثبتت نسخًا واسع النطاق من كتاب "سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" إلى كتاب الوزيرة المعنون "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين"، بما يضع رأس وزارة الثقافة، المسؤولة نظريًّا عن حماية حقوق المبدعين، في مواجهة حكم قضائي صريح بالاعتداء على حق مؤلفة أخرى.


 

حكم المحكمة الاقتصادية وتكييف الاعتداء على كتاب "اغتيال قوت القلوب"

 

الحيثيات التي استندت إليها المحكمة الاقتصادية تقوم على شكوى مباشرة من الكاتبة سهير عبد الحميد، تتهم فيها الوزيرة جيهان زكي بنسخ أكثر من 50% من كتابها "سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" وإعادة نشره داخل كتاب الوزيرة مع إدخال تعديلات طفيفة في الصياغة، دون الحصول على إذن كتابي أو إسناد علمي واضح، وهو ما تعاملت معه المحكمة كاعتداء على الحقين المادي والأدبي للمؤلفة، لا كخلاف بسيط حول حدود الاقتباس المشروع، وانتهت إلى تغريم الوزيرة 100 ألف جنيه كتعويض، بعد تثبيت واقعة النسخ والمضاهاة بين العملين وتأكيد أن الفعل يتجاوز مجرد التشابه إلى تقليد نصي ومنهجي جسيم.

 

التحقيق الصحفي الذي أجراه فريق منصة "#صحيح_مصر" دعم خط اتهام الكاتبة من خلال مطابقة نصية بين الكتابين، أظهرت وجود نقل مباشر لفقرات كاملة من كتاب سهير عبد الحميد إلى كتاب الوزيرة، مع تطابق في الفكرة الأساسية وتسلسل السرد والبناء التاريخي للشخصيات والأحداث، وعدم وجود إسناد داخل المتن يذكر المصدر الأصلي، وأشارت نتائج المطابقة إلى أن ما جرى ليس اقتباسًا محدودًا يخضع لقواعد الأمانة العلمية، بل نسخ شبه حرفي مع تعديل بعض الكلمات، وهو ما استندت إليه المحكمة في توصيفها للسلوك كاعتداء صريح على حقوق المؤلفة الأصلية.

 

وتوضح حيثيات الحكم أن المحكمة لم تقف عند رصد التطابقات الجزئية فحسب، بل بيّنت أن الوزيرة اعتدت على حقوق المدعية عبر "النسخ والتقليد والاقتباس من نصوص وصفحات كاملة" مع تعديلات طفيفة في الكلمات والصياغات، وأن هذا النمط من الاقتباس لا يمكن تبريره بمجرد إدراج الكتاب في قائمة المراجع، لأنه يفرغ الحق الأدبي من مضمونه، ولذلك خلصت إلى إدانة الوزيرة في ضوء نصوص حماية الملكية الفكرية، مع تأكيد أن الادعاء بنقل الفكرة العامة أو "إعادة الصياغة" لا يصمد أمام المطابقة التفصيلية التي رصدت فقرات وعبارات منقولة حرفيًّا.

 

نسخ حرفي وإعادة صياغة وتطابق في السرد من الميراث حتى قوائم الأثرياء

 

تفاصيل المطابقة التي كشفها التحقيق الصحفي وقدمتها الكاتبة للمحكمة تبرز نمطًا متكررًا من النقل الحرفي أو شبه الحرفي، بداية من فقرة الميراث التي تصف فيها النسخة الأصلية زينت التودي، الزوجة الثانية لزين الدمرداش باشا، باعتبارها صاحبة تأثير قوي على قرار الوصية الذي خص قوت القلوب بكل الثروة تقريبًا، مع حرص الأخيرة على منح شقيقتها حميدة جزءًا من التركة، وبقاء ما يكفي لجعلها بين أغنى 6 شباب في مصر، بينما ينقل كتاب الوزيرة نفس الفقرة تقريبًا مع استبدال بعض الألفاظ وتعديل ترتيب محدود للجمل، مع الحفاظ على الفكرة والتعبير والبناء ذاته تقريبًا.

 

النمط نفسه يظهر في الفقرة الخاصة بنشأة قوت القلوب، حيث تصف سهير عبد الحميد نشأتها كابنة لتربية "أرستقراطية صوفية" اتسمت بالثراء والانفتاح على الفنون والثقافة، بما شكل هويتها وبصمتها كأديبة مبكرة طرحت دعوة لتحرير المرأة من قبضة أفكار ذكورية رجعية متأصلة في مجتمعات ابتكرت جريمة وأد الإناث، بينما تأتي صياغة كتاب الوزيرة لتكرر السياق نفسه بمفردات قريبة للغاية، مع الحديث عن تربية "أرستقراطية صوفية" وانفتاح على عالم الفنون والثقافة، وصياغة متقاربة لدورها كأديبة خاضت عبر الأدب دعوة لتحرير المرأة من الأفكار الذكورية في المجتمعات الشرقية، مع تغيير محدود للجمل دون تغيير جوهر الفكرة أو بنيتها.

 

وتتوسع أوجه التشابه في السرد التاريخي لسلسلة مشايخ الطريقة الدمرداشية، حيث تسجل سهير عبد الحميد في كتابها وفاة الشيخ الدمرداش الكبير عام 1524 بعد أن أرسى مبادئ الطريقة التي تولى مشيختها أبناؤه وأحفاده حتى عبد الرحيم باشا الدمرداش، وتفصل في نشأته بالزاوية في العباسية والتحاقه بالأزهر، وتوليه المشيخة عام 1877 وعمره 24 عامًا، مع تجديد الزاوية وتحديث المرافق والمباني المحيطة، بينما ينقل كتاب الوزيرة التسلسل نفسه تقريبًا، مع ذكر الشيخ أبي عبد الله المحمدي الدمرداش الكبير وتتابع المشيخة وصولًا لعبد الرحيم باشا، ووصفه بعلامة فارقة، وذكر الميلاد في زاوية العباسية، والدراسة بالأزهر، وتولي المشيخة عام 1877 وتحويل الزاوية لمسجد كبير مزود بالخلوات، وهو ما اعتبرته المحكمة تطابقًا في المعلومات والتسلسل يتجاوز المصادفة.

 

وتشمل المطابقة أيضًا فقرة حول جان كوكتو وكتاب "الخزانة الهندية"، حيث تذكر سهير عبد الحميد أن كوكتو كتب مقدمة الرواية بالفرنسية عام 1954، وأن أحداثها تدور حول عائشة الفتاة الريفية التي تربت مع ابنة رضوان بك في القاهرة، وتحوّلها إلى مطربة مشهورة على مسرح الأوبرا بفضل موهبتها الموسيقية، بينما ينقل كتاب الوزيرة الإطار نفسه تقريبًا مع تقديم مقتضب يقلص التفاصيل لكنه يحتفظ باسم كوكتو، وكتاب "الخزانة الهندية"، وسنة 1954، وشخصية عائشة ابنة رضوان بك، دون نسبة صريحة للكتاب الأصلي داخل المتن.

 

وتتأكد صورة النسخ الحرفي بشكل صارخ في فقرة الثروة، حيث ترد لدى سهير عبد الحميد صياغة تقول إن "التقارير أفادت بأنها تتصدر قائمة السيدات الأكثر ثراء في مصر، حيث تليها عائشة هانم فهمي، ودانيس موصيري، ابنة المسيو إيلي موصيري، ومدام باسيلي تاجر الأخشاب بالإسكندرية"، بينما يكرر كتاب الوزيرة الفقرة ذاتها تقريبًا مع إضافة اسم قوت القلوب صراحة في بداية الجملة، دون أي اختلاف جوهري في ترتيب الأسماء أو طريقة العرض، وهو ما اعتبرته المحكمة مثالًا واضحًا على النقل الكامل غير المبرر، خصوصًا مع كون المعلومات حصيلة بحث ميداني أصيل للمدعية.

 

مصادر ميدانية حصرية ورابطة الأبوة ورفض الاكتفاء بقائمة المراجع

 

جانب مهم في ملف القضية يتعلق بطبيعة المصادر التي اعتمدت عليها الكاتبة سهير عبد الحميد في كتابها، حيث تشير الأوراق إلى حصولها على معلومات تفصيلية عن ميراث قوت القلوب والخلافات حوله من مصدر مباشر هو حسن البططي، نقيب الطريقة الدمرداشية، الذي التقت به في قصر الدمرداش باشا، ونشرت صورة توثق اللقاء ضمن كتابها، بينما نقلت الوزيرة المعلومة نفسها إلى كتابها دون الإشارة إلى المصدر أو توثيق المقابلة، وهو ما عزز في نظر المحكمة تصور الاعتداء على جهد بحثي ميداني خاص لا يمكن نسبته إلى "معرفة عامة" متاحة للجميع، بل إلى عمل توثيقي أنفقت فيه المؤلفة وقتًا وموارد للوصول إلى الشهود وأصحاب الصلة.

 

حيثيات الحكم شددت على أن الاعتداء لم يقتصر على نصوص مستقاة من مراجع منشورة، بل شمل أيضًا نصوصًا تتضمن شهادات وتصريحات خاصة، واستخدام صور تملك المدعية وحدها حقوقها، والاستيلاء على تصريحات وشهادات لباحثين آخرين، فضلًا عن نقل فقرات كاملة مع تغيير ترتيبها، والاعتداء على عناصر الخيال الأدبي والآراء الخاصة بالمؤلفة، ولذلك ربطت المحكمة بين هذا السلوك وبين انتهاك "رابطة الأبوة" التي تربط المؤلف بمصنفه، باعتبارها رابطة معنوية تمنح صاحب العمل حق نسبته إليه والدفاع عن هذا الحق، وتمنع التنازل عنه أو التصرف فيه لأنه من الحقوق اللصيقة بالشخص لا تسقط ولا تباع.


 

وفي مواجهة دفاع الوزيرة القائم على إدراج كتاب سهير عبد الحميد ضمن قائمة المراجع، أوضحت المحكمة أن حماية حقوق المؤلفين لا تتحقق بالاكتفاء بذكر المصدر في نهاية الكتاب، بل تتطلب اقتباسًا في حدود مشروعة، وبالقدر الذي تبرره الغاية العلمية أو البحثية، مع إسناد واضح وصريح داخل المتن متى جرى نقل نصوص أو أفكار جوهرية، وأكدت أن نقل أجزاء مركزية من مصنف ما، سواء حرفيًّا أو عبر إعادة صياغة تحافظ على البنية والفكرة والتسلسل نفسه، تحت ستار الإشارة إليه في قائمة المراجع فقط، يشكل التفافًا على الحق الأدبي للمؤلف لا تقبله قواعد الملكية الفكرية ولا الأعراف العلمية.

 

القضية بذلك تتجاوز خلافًا شخصيًّا بين كاتبة ووزيرة إلى اختبار حقيقي لموقع وزارة الثقافة المصرية من ملف حماية حقوق المبدعين والباحثين، إذ يجد كثير من المتابعين مفارقة في أن تُدان رأس الوزارة المسؤولة عن رعاية الملكية الفكرية بحكم قضائي بتعدٍّ على حق مؤلفة أخرى، بينما تصر صاحبة العمل الأصلي، سهير عبد الحميد، في خطابها العام على التمسك بحقها وعدم التنازل عنه، في رسالة واضحة بأن أحكام القضاء في هذا الملف ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه، بل جزء من معركة أوسع لحماية جهد المؤلفين وحفظ الذاكرة الثقافية من أي اعتداء أو طمس، أيا كانت الجهة أو المنصب.