قرار إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام لم يمر كإجراء إداري عابر. الوزارة كانت تشرف على 146 شركة مملوكة للدولة عبر 6 شركات قابضة في قطاعات صناعية وخدمية متعددة، مع تباين واضح بين شركات رابحة وأخرى خاسرة.
الحكومة تقول إن الهدف هو “إعادة تنظيم إدارة الأصول المملوكة للدولة” وإنه “لا توجد خطط للتصفية في الوقت الحالي”، لكن غياب تفاصيل تنفيذية مكتملة يزيد حساسية القرار، لأنه يمس إدارة محفظة كبيرة، ويعيد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: من يملك القرار النهائي في شركات الدولة، وكيف تُدار، وعلى أي أساس تُنقل أو تُطرح أو تُشرك مع القطاع الخاص؟
قرار الإلغاء: انتقال واسع بقرار رئاسي وإدارة انتقالية غير محسومة
الإلغاء جاء بنصٍ رسمي ضمن قرار رئاسي مرتبط بالتعديل الوزاري (قرار رقم 75 لسنة 2026)، مع تكليف رئيس الوزراء بإصدار القرارات اللازمة لترتيب الآثار المترتبة على الإلغاء.
عمليًا، تتجه الحكومة إلى إدارة انتقالية للملف: رئيس الوزراء كلف نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بالمسؤولية المباشرة عن هيكلة الشركات المملوكة للدولة، بحضور الرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة. وفي الوقت نفسه طُرح مسار مزدوج: نقل جزء من الشركات إلى الصندوق السيادي، وقيد جزء آخر في البورصة، مع الحديث عن تجهيز 60 شركة (40 للصندوق السيادي و20 للبورصة).
لكن على الأرض ما زالت السيناريوهات مفتوحة: تقارير محلية تحدثت عن بحث نقل تبعية شركات إلى وزارات “مختصة” مثل الصناعة والاستثمار والإسكان والصحة، مع إشراف وحدة إدارة الشركات المملوكة للدولة. هذا يعني أن القرار ليس “إلغاء وزارة” فقط، بل إعادة توزيع سلطة الملكية والإشراف بين أكثر من جهة.
بين الحوكمة والخصخصة: أربع قراءات خبيرة للقرار.. ومصدر القلق الحقيقي
الخبير الاقتصادي مدحت نافع (الرئيس السابق للشركة القابضة للصناعات المعدنية) اعتبر الإلغاء “خطوة صائبة”، بحجة أن وجود وزارة وسيطة أصبح عبئًا إداريًا في ظل وجود جمعيات عمومية ومجالس إدارات لكل شركة، ودعا إلى إعادة هيكلة الشركات تحت إشراف نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية خلال فترة انتقالية لتوفيق الأوضاع القانونية وتعزيز مرونة الشركات في الشراكات والتخارج وزيادة رؤوس الأموال.
في المقابل، حذّر محمد فؤاد (خبير اقتصادي وعضو مجلس النواب) من أن نقل الشركات إلى وزارات متعددة قد يؤدي إلى “توزيع مجزأ لوظيفة الملكية العامة”، بما يضعف مركزية إدارة الأصول ويصعّب تقييم الأداء والعوائد والمخاطر بصورة شاملة، وقد يخلق تضاربًا بين أولويات الوزارات قصيرة الأجل ومتطلبات تعظيم القيمة على المدى المتوسط والطويل.
أما خالد الشافعي (خبير اقتصادي) فدافع عن الإلغاء من زاوية مختلفة: كسر “الجزر المنعزلة” بين سياسات مترابطة. ضرب مثالًا بأن الغزل والنسيج كان يتبع قطاع الأعمال، بينما سياسات القطن تتبع الزراعة، وسياسات التصدير تتبع جهات أخرى، معتبرًا أن ربط الماكينة الصناعية بالسياسة العامة لكل قطاع قد يقلل التشوهات التي تصنعها الحدود الإدارية.
جوهر القلق هنا ليس “اسم الوزارة”، بل قواعد الشفافية: من يقرر البيع أو الطرح؟ كيف تُقيَّم الأصول؟ ما معايير اختيار الشركات المنقولة للصندوق السيادي أو المطروحة في البورصة؟ وكيف تُمنع تكرار تجارب سابقة اتُّهمت فيها عمليات تخارج بالضعف في الحوكمة أو ضبابية العائد؟
البعد الاجتماعي والعمالة: اختبار الضمانات قبل الوعود
القرار يمس شركات في قطاعات كثيفة العمالة، خصوصًا الغزل والنسيج والصناعات الكيماوية والمعدنية والدواء والتشييد والسياحة. وتؤكد وثائق وتقارير أن الوزارة كانت تشرف على 146 شركة، تمثل نسبة معتبرة من إجمالي الشركات المملوكة للدولة.
الدكتور عمرو سليمان (أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان) رأى أن الإلغاء “تحول مهم” لأن الوزارة كانت تميل إلى تسيير أعمال القطاع العام أكثر من تعظيم العائد الاقتصادي، واعتبر أن استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية قد يخلق إدارة أكثر تكاملًا للملف، مع الحاجة إلى تحديث وثيقة “سياسة ملكية الدولة” وضبط الحوكمة باعتبار أن الأصول “ملوكة للشعب”.
لكن أي “حوكمة” لا تُقاس بالتصريحات وحدها. المطلوب الآن، وفق خبراء، ضمانات مكتوبة تخص العمال: خطط تدريب وإعادة تأهيل، قواعد واضحة لأي إعادة هيكلة، وآلية تظلم، مع إعلان جدول زمني ومعايير قياس أداء الشركات القابضة بعد نقل تبعيتها أو تغيير مظلة الإشراف.
ويزداد الضغط لأن ملف التخارج وتوسيع دور القطاع الخاص حاضر بقوة في سياسات الدولة خلال السنوات الأخيرة، ضمن توجهات رسمية لرفع مشاركة القطاع الخاص، ومع استمرار مطالب صندوق النقد بتسريع برنامج التخارج وتحسين الشفافية والحوكمة.

