أعلن مركز الشهاب لحقوق الإنسان قلقه البالغ من وفاة الأستاذ الدكتور جلال عبدالصادق محمد السحلب، 71 عامًا، داخل محبسه يوم الاثنين 9 فبراير 2026، بعد احتجاز ممتد منذ 24 نوفمبر 2013.

 

الواقعة، بحسب المركز، ليست خبرًا عابرًا في سجل الوفيات داخل أماكن الاحتجاز، بل مؤشر جديد على أزمة أعمق: إدارة ملف السجون بمنطق “الحد الأدنى من الضرر” لا بمنطق الحق في الحياة والرعاية.

 

سيرة علمية تنتهي خلف القضبان

 

السحلب كان أستاذًا متفرغًا ورئيسًا سابقًا لقسم الفيزياء بكلية العلوم في جامعة أسيوط، وتدرّج في مساره الجامعي منذ تعيينه معيدًا عام 1975، وصولًا إلى رئاسة القسم بين 2012 و2013.

وفق بيان المركز، امتدت مسيرته الأكاديمية لأكثر من أربعة عقود، وترك بصمة بحثية في فيزياء المواد والبلورات والخواص الحرارية والبصرية، وأشرف على رسائل ماجستير ودكتوراه ونُشرت له دراسات منذ تسعينيات القرن الماضي.

 

لكن النهاية جاءت داخل الاحتجاز، بعد قرابة ثلاثة عشر عامًا من الحبس. هنا تبرز المفارقة التي يتعمد الخطاب الرسمي القفز فوقها: حين يموت أكاديمي بهذا العمر داخل السجن، يصبح السؤال ليس عن “السيرة الذاتية”، بل عن شروط البقاء نفسها داخل المنظومة العقابية.

 

“13 عامًا” في الحبس: أسئلة مُحرجة عن الرعاية والشفافية

 

يرى مركز الشهاب أن طول مدة الاحتجاز، مقرونًا بعامل السن، يضع ملف الرعاية الصحية تحت اختبار مباشر. فالوفاة بعد سنوات من الحبس تثير تساؤلات حول المتابعة الطبية الدورية، وسرعة الاستجابة للحالات الطارئة، وإتاحة التحويل لمستشفيات مجهزة عند الحاجة، خصوصًا مع فئة كبار السن التي تتطلب بروتوكولات علاجية أدق ومراقبة مستمرة.

 

الحدة هنا ليست في اللغة، بل في الوقائع المتكررة: كل وفاة داخل مكان احتجاز تفتح الباب تلقائيًا على احتمالين أحلاهما مرّ. إما أن الرعاية قاصرة، أو أن الشفافية قاصرة. وفي الحالتين، الثمن يُدفع من أرواح أشخاص تحت سيطرة الدولة الكاملة، ما يجعل المسؤولية مضاعفة لا مخففة.

 

وإذا كان بيان وزارة الداخلية غالبًا ما يركز في مثل هذه الحالات على أن الرعاية “متوفرة”، فإن المنظمات الحقوقية تعتبر أن هذه الصيغة لا تكفي وحدها دون مستندات قابلة للفحص: تقرير طبي كامل، تسلسل زمني للأعراض، أسماء الأطباء، إجراءات الإسعاف، ونتائج تحقيق فعلي يُعلن للرأي العام.

 

قواعد نيلسون مانديلا: معيار دولي يُحرج الممارسة اليومية

 

استند مركز الشهاب إلى “قواعد نيلسون مانديلا” (القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء) بوصفها مرجعية دولية واضحة: الرعاية الصحية في السجون مسؤولية الدولة ويجب أن تكون بمستوى مماثل لما هو متاح خارجها، وأن تُدار الخدمات الطبية باستقلال مهني قدر الإمكان.

 

وتُشدد هذه القواعد أيضًا على ضرورة وجود إجراءات فعالة للتعامل مع الوفيات داخل الاحتجاز، بما يشمل التوثيق والإخطار وإتاحة المعلومات ذات الصلة، لأن أي وفاة تحت القيد لا تُعامل كـ“قدر”، بل كواقعة تستوجب تدقيقًا رسميًا جادًا. هذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل مطلب “التحقيق المستقل” مطلبًا منطقيًا لا شعارًا سياسيًا.

 

وفق بيان مركز الشهاب، تشمل المطالب الأساسية: فتح تحقيق عاجل وشفاف، تمكين الأسرة من الاطلاع على التقرير الطبي الكامل، مراجعة أوضاع كبار السن والمرضى، والسماح لجهات رقابية مستقلة بزيارة أماكن الاحتجاز، إضافة إلى الإفراج الإنساني عن كبار السن والمرضى وفق الضوابط القانونية.

 

في المحصلة، وفاة الأستاذ الدكتور جلال السحلب لا تختزل في كونها “حالة فردية”. هي اختبار لمدى جدية الدولة في تطبيق معايير الحد الأدنى التي تُعلن الالتزام بها، واختبار لحق أساسي: أن يبقى الإنسان حيًا تحت الاحتجاز، لا أن يتحول السجن إلى مساحة رمادية تختفي فيها الإجابات حين تقع الكارثة.