يكتب صالح سالم أن مصر كثّفت تحركاتها الدبلوماسية الإقليمية والدولية في ظل تعثّر المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني وتصاعد الاستعدادات العسكرية، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أمريكية-إسرائيلية جديدة مع إيران.
يوضح العربي الجديد أن وزير خارجية الانقلاب المصري بدر عبد العاطي أجرى خلال الأيام الماضية سلسلة مكثفة من الاتصالات الهاتفية واللقاءات المباشرة مع نظرائه في إيران وقطر وسلطنة عمان والسعودية والإمارات، إلى جانب المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، وتركزت هذه التحركات على خفض التصعيد وتهيئة أجواء مواتية لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران عبر مسار إقليمي منسق.
دبلوماسية استباقية لتفادي الحرب
جاء هذا النشاط الدبلوماسي بعد مكالمة مهمة في 31 يناير بين رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، شدد خلالها السيسي على رفض الحلول العسكرية، ودعا إلى الحوار والوسائل السلمية لتجنب مزيد من عدم الاستقرار الإقليمي.
يرى محللون أن التحرك المصري ينبع من قلق عميق من تفكك الأوضاع الإقليمية. ويؤكد السفير رخا أحمد، المساعد الأسبق لوزير الخارجية المصري، أن مصر ودولًا عربية أخرى تبذل جهودًا دبلوماسية مكثفة لمنع اندلاع حرب جديدة، إدراكًا منها لما قد تسببه من نتائج كارثية على المنطقة بأكملها.
ويشير إلى أن هذه المخاوف نُقلت مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تعبير عن قلق إقليمي مشترك من مخاطر التصعيد.
الكلفة الاقتصادية لهروب الاستقرار
تخشى القاهرة من أن يؤدي أي صدام عسكري مباشر إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط عالميًا، بما يضر باقتصادات المنطقة المعتمدة على الطاقة. كما تخشى مصر تحديدًا من تفاقم أزماتها الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، التي ازدادت حدة منذ حرب غزة والتغيرات الكبرى في التوازنات الإقليمية.
يمثل ملف البرنامج النووي الإيراني أولوية في المحادثات المصرية مع القوى الإقليمية، خاصة في ظل تهديد جماعة الحوثي في اليمن باستئناف الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر حال شن الولايات المتحدة هجومًا على إيران. وكانت هذه الهجمات قد توقفت عقب وقف إطلاق النار في غزة في منتصف أكتوبر 2025، بعد أن تسببت سابقًا في تعطيل واسع للتجارة العالمية.
تكبدت مصر خسائر اقتصادية جسيمة نتيجة تلك الاضطرابات، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس بأكثر من 60% خلال فترات الذروة، في وقت كان الاقتصاد يعاني بالفعل من آثار جائحة كورونا، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وضغوط الدين الخارجي. ودفعت هذه التطورات القاهرة إلى تبني إجراءات استقرار عاجلة، شملت تكثيف التفاوض مع الدائنين الدوليين وتسريع تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة.
مخاوف من انفجار إقليمي واسع
قبل وقف إطلاق النار، سعت مصر دبلوماسيًا إلى التواصل مع إيران لحثها على استخدام نفوذها لوقف هجمات الحوثيين، غير أن طهران أكدت مرارًا أن الجماعة تتحرك باستقلالية. ويرجح مراقبون إيرانيون أن أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية جديدة ستؤدي إلى رد إقليمي واسع، عبر تحريك شبكة الحلفاء المرتبطين بإيران في اليمن ولبنان والعراق.
يحذر المحلل السياسي الإيراني مختار حداد من أن أي هجوم أمريكي على إيران سيقود حتمًا إلى حرب إقليمية شاملة، نظرًا لاعتماد العمليات العسكرية على قواعد أمريكية منتشرة في الشرق الأوسط، ما سيدفع طهران إلى استهداف مصادر الهجوم أينما كانت، وبالتالي توسيع نطاق الصراع.
رهانات مصرية تتجاوز قناة السويس
بدأت حركة الملاحة في قناة السويس تتعافى تدريجيًا بعد توقف هجمات الحوثيين، مع عودة جزئية لبعض شركات الشحن الكبرى، ما أنعش الآمال بتحسن الأوضاع الاقتصادية. غير أن خبراء يحذرون من أن أي تصعيد جديد سيقضي سريعًا على هذه المؤشرات الإيجابية.
تمتد المخاطر بالنسبة لمصر إلى قطاعات أخرى، أبرزها السياحة التي تُعد ثالث أكبر مصدر للعملة الصعبة. شهد القطاع تعافيًا ملحوظًا في الأشهر الأخيرة بفضل تحسن الأوضاع الأمنية، وافتتاح المتحف المصري الكبير الذي أصبح نقطة جذب سياحي عالمية.
إلى جانب ذلك، يثير محللون مخاوف من أن يؤدي إضعاف إيران أو إخراجها من معادلة القوة الإقليمية إلى إطلاق يد إسرائيل بشكل أوسع، وهو قلق تعزز بعد الغارة الإسرائيلية على قطر في سبتمبر 2025، التي شكلت سابقة خطيرة باستهداف دولة خليجية.
توازنات جديدة وتحالفات متغيرة
يدفع هذا القلق المشترك دولًا مثل مصر والسعودية وتركيا إلى التقارب رغم خلافات سابقة، في محاولة لحماية توازن إقليمي متعدد الأقطاب. ويؤكد السفير رخا أحمد أن تجاهل إسرائيل المتكرر للقانون الدولي خلق حالة خوف وعدم يقين واسعة في المنطقة، ورسّخ قناعة بأن أي دولة عربية قد تصبح هدفًا لعمليات عسكرية مستقبلًا.
في ضوء ذلك، تعيد دول المنطقة حساباتها الاستراتيجية، وتسعى مصر عبر دبلوماسيتها النشطة إلى لعب دور الوسيط القادر على احتواء التصعيد، حمايةً لمصالحها الوطنية، ومحاولةً لتجنيب الشرق الأوسط جولة جديدة من الفوضى والحروب المفتوحة.
https://www.newarab.com/analysis/why-egypt-has-become-key-mediator-amid-us-iran-tensions

