لم يعد الاحتجاج العمالي في مصر مجرد حدث عابر يُطوى سريعًا في صفحات الحوادث، بل بات مرآة عاكسة لواقع اقتصادي واجتماعي خانق يدفع العمال دفعًا إلى الإضراب كوسيلة أخيرة للدفاع عن حقهم في البقاء. آخر هذه المحطات إضراب نحو 6,000 عامل بشركة «جيد للغزل والنسيج» بمدينة العاشر من رمضان، وما تبعه من إدانة حقوقية واسعة، على رأسها بيان المفوضية المصرية للحقوق والحريات التي وصفت ما يجري داخل الشركة بأنه «انتهاك بالغ لحقوق العمال»، في مؤسسة صناعية تبدو على الورق قوية ومربحة، لكنها تُبقي عمالها عند هامش الكفاف.
إضراب في قلب مصنع مُصدِّر.. أجور عند حدّ الجوع
بحسب بيان المفوضية المصرية للحقوق والحريات، يعمل عمال «جيد للغزل والنسيج» في إنتاج ملابس رياضية مخصصة للتصدير، ما يعني أن الشركة تتمتع – نظريًا – بوضع اقتصادي جيد، بحكم ارتباطها بأسواق خارجية وتدفقات عملة صعبة. لكن هذه الصورة اللامعة لا تنعكس على أوضاع من يقفون خلف خطوط الإنتاج؛ إذ لا يتجاوز متوسط الأجر الشهري للعامل حوالي 6,500 جنيه، وهو رقم لا يغطي الحد الأدنى لتكاليف المعيشة في ظل موجات تضخم متلاحقة، خاصة بالنسبة لمن أمضوا أكثر من عشر سنوات خدمة بلا مسار واضح للترقي أو إنصاف حقيقي للأقدمية.
المفوضية أوضحت أن الزيادات الأخيرة التي أُعلنت لم تكن سوى زيادات «هزيلة» لم تُحدث أي تحسن فعلي في القدرة الشرائية، فظلت آلاف الأسر العمالية حبيسة دائرة العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية من سكن وغذاء وتعليم وصحة. أمام هذا الواقع، لجأ العمال إلى الإضراب احتجاجًا على تدهور أوضاعهم المعيشية وتعثر حصولهم على زيادات سنوية حقيقية في الأجور، في خطوة تعكس حجم الاحتقان المكبوت داخل القطاع الصناعي، حيث يتحول العمل اليومي الشاق إلى عبء إضافي بدل أن يكون ضمانًا لحياة كريمة.
حماية المستثمر مقابل التضحية بالعمال.. دولة تتفرج
بيان المفوضية لم يأتِ بمعزل عن انتقادات سابقة لسياسة الدولة تجاه النزاعات العمالية في القطاع الخاص. كمال عباس، المدير التنفيذي لدار الخدمات النقابية والعمالية، كان قد حذر في تصريحات صحفية من أن «الانتهاكات العمالية في القطاع الخاص تحدث في كثير من الأحيان تحت سمع وبصر الدولة»، وأن السلطات «تكتفي بدور المتفرج، وتتعامل مع حقوق العمال باعتبارها عبئًا على مناخ الاستثمار». هذه الكلمات تُلقي ضوءًا كاشفًا على ما يصفه حقوقيون بأنه «انحياز منهجي» لأصحاب رؤوس الأموال، حتى لو جاء ذلك على حساب التطبيق الفعلي لقانون العمل وضمان الحد الأدنى للأجور والزيادات الدورية.
عباس شدد على أن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على سحق العمال، بل على شراكة متوازنة تحفظ حقوقهم وتضمن استقرار بيئة العمل. غير أن التجارب المتكررة، من مصانع غزل ونسيج إلى شركات أغذية ومواد بناء، تشير إلى نمط واحد: عندما يتصاعد الاحتجاج العمالي، يكون أول رد فعل رسمي هو احتواؤه أمنيًا أو إعلاميًا، وليس فتح تحقيق جدي في أسباب الإضراب أو التزام الشركة بالقانون. في حالة «جيد للغزل والنسيج»، جاء الإضراب ليكشف مرة أخرى أن الدولة، بدل أن تلعب دور الحكم النزيه بين العمل ورأس المال، تترك الطرف الأضعف مكشوفًا في مواجهة إدارة تمتلك المال والنفوذ، ما يدفع العمال إلى التصعيد كخيار وحيد.
إضرابات للبقاء لا للمزايدة.. علاقة عمل مختلّة بلا توازن
هيثم محمدين، المحامي الحقوقي والباحث في شؤون العمال، يلخّص جوهر الأزمة بقوله إن «أغلب إضرابات العمال في مصر ليست مطالب فئوية مبالغًا فيها، بل محاولات للبقاء في ظل أجور لا تكفي للمعيشة». هذه الشهادة تعيد تعريف الإضراب من كونه «إزعاجًا أمنيًا» كما تصوّره بعض الخطابات الرسمية والإعلامية، إلى كونه وسيلة دفاع أخيرة أمام سياسات أجور مجمدة وارتفاع متواصل في الأسعار. محمدين يشير كذلك إلى أن الدولة «اختارت في السنوات الأخيرة الانحياز الكامل لأصحاب الشركات، على حساب التوازن المفترض في علاقة العمل»، وهو توازن يقوم في النماذج الصحية على ثلاثة أطراف: صاحب العمل، والعامل، والدولة كضامن ومراقب.
في واقع الحال، يغيب التمثيل النقابي المستقل القادر على الدفاع عن العمال داخل كثير من المنشآت الصناعية، بينما لا يقوم الاتحاد العام الرسمي بدور فعّال في النزاعات الكبرى، ما يترك العمال بلا صوت مُنظم، في حين تُمنح الشركات مساحة واسعة للتصرف منفردة في الأجور وساعات العمل ونُظم الحوافز. في مثل هذا السياق، يصبح الإضراب خيارًا صعبًا لكنه حتمي؛ إذ لا يبقى للعمال سوى تعليق الآلات وإسكات ضجيج خطوط الإنتاج كي يسمعهم أحد.
إضراب عمال «جيد للغزل والنسيج» ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة أوسع من الاحتجاجات التي تشهدها مناطق صناعية عدة، من العاشر من رمضان إلى السادس من أكتوبر والمحلة وغيرها، حيث تتكرر الشكوى: أجور لا تكفي، زيادات شكلية، غياب حماية جادة من الدولة، وشركات ترى في أي تحسين حقيقي للأجور تهديدًا لهوامش الربح. وبينما تتحدث الحكومة عن جذب الاستثمارات وزيادة الصادرات، يغيب شرط أساسي لأي تنمية مستدامة: أن يشعر العامل بأنه شريك في العائد، لا وقودًا رخيصًا يدفع ثمن كل أزمة.
في النهاية، ما جرى في مصنع «جيد» يطرح سؤالًا لا يمكن الإفلات منه: هل يظل الاستثمار في مصر مرادفًا لتقديم كل التسهيلات لرأس المال ولو على حساب أبسط حقوق العمال، أم أن الوقت قد حان لإعادة تعريف «مناخ الاستثمار» بحيث يتضمن احترام كرامة من يصنعون الثروة بأيديهم؟ إلى أن يُجاب عن هذا السؤال بأفعال لا ببيانات، سيظل كل إضراب جديد علامة على غضب حقوقي يتجذر في المصانع والورش، ويقول بصوت واحد: الكرامة لا تقل عن لقمة العيش، والأجر الذي لا يكفي للحياة لا يمكن أن يكون ثمنًا عادلًا للعمل.

