لم يعد المواطن المصري يطارد الغلاء فقط في السكن والطعام والتعليم والعلاج، بل امتد الجشع إلى آخر محطة في الرحلة: القبر. في السنوات الأخيرة قفزت أسعار المقابر إلى مستويات صادمة؛ بعض المدافن في القاهرة الكبرى وصل ثمنها إلى ما بين 2 و3 ملايين جنيه، بينما أصبح الحديث عن مقبرة بسعر 350 ألف جنيه أمرًا «عاديًّا» في سوق يغيب عنه الضبط وتتحكم فيه السماسرة وجهات ولاية متعددة. أمام هذا الواقع، تحوّل الحصول على مدفن عائلي من حق إنساني بسيط إلى «مشروع استثماري» يحتاج إلى تخطيط وتمويل وترتيبات، لا تقوى عليها أسرة تكافح أصلًا لتأمين طعامها ودوائها، فكيف تدبّر ثمن قبر سيُدفن فيه أبناؤها؟
من حق الدفن إلى «حق الانتفاع».. حتى الآخرة بعقد مؤقت
أحد أكثر التطورات إثارة للجدل كان إعلان محافظة الجيزة عن طرح مقابر بنظام «حق الانتفاع»، في مناطق جديدة، مقابل مبالغ كبيرة يُسدَّد جزء منها مقدمًا وأخرى على أقساط. الفكرة التي قُدِّمت رسميًّا باعتبارها حلًّا تنظيميًّا لتوفير مدافن، أثارت تساؤلات مقلقة في الشارع: ماذا يحدث بعد انتهاء مدة العقد؟ هل تُنتزع المقبرة من الأسرة؟ ما مصير رفات من دُفنوا فيها؟ وهل يُعاد طرح المكان من جديد كأنّه قطعة أرض استثمارية؟
إشكالية «حق الانتفاع» ليست قانونية فقط، بل تمس شعور الناس بأبسط حقوقهم بعد الموت؛ فالمواطن الذي لم يملك شقة باسمِه في حياته، يجد نفسه اليوم لا يضمن حتى مكانًا ثابتًا لقبره بعد وفاته، بل يتعامل مع مدفن بعقد قابل للانتهاء كأي وحدة عقارية في مدينة جديدة. هذا التحول من «مقبرة للعائلة» إلى «أصل عقاري مدته محدودة» يعكس نظرة متزايدة لكل شيء – حتى الموت – باعتباره ملفًا ماليًّا يمكن إدارة عوائده وجدولة دفعاته.
إلى جانب ذلك، يظل الاحتكار الفعلي لقرار تخصيص المقابر في يد المحافظات وأجهزة المدن وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ووزارة الأوقاف؛ جهات متعددة الولاية، لكنّ النتيجة واحدة: المواطن لا يستطيع أن يبني مدفنًا من تلقاء نفسه، بل لا بد أن يحصل على قطعة من الأراضي التي تطرحها الدولة على فترات متباعدة، وغالبًا بكميات محدودة، ما يفتح الباب لسماسرة يتحركون مبكرًا لحجز المدافن ثم إعادة بيعها بأضعاف السعر.
سماسرة واشتراطات شكلية.. والسوق يتحكم فيه «الذي يملك»
عند طرح مدافن جديدة تضع المحافظات شروطًا تبدو في ظاهرها لضبط السوق؛ مثل ألا يقل سنّ المتقدم عن 50 عامًا، وألا يكون هو أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى قد حصل على مدفن سابقًا من المحافظة، وألا تتكرر الطلبات للأقارب المباشرين. لكن الواقع – كما يشير أهل الخبرة – يقول إن هذه الاشتراطات لم تمنع سماسرة محترفين من التلاعب، عبر تقديم طلبات بأسماء مختلفة ثم تجميع المدافن وإعادة بيعها.
هذا الخلل البنيوي جعل مدافن عديدة تُعامل كسلعة نادرة، تُقتنص لحظة طرحها الرسمي، لتظهر بعدها في الإعلانات بأسعار مضاعفة. وهكذا يجد المواطن البسيط نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الانتظار لسنوات في طوابير لا يعلم متى يتحرك فيها الدور، أو الرضوخ لسعر السوق الذي يتعامل مع المقبرة كاستثمار مضمون، لا كجزء من منظومة خدمة اجتماعية.
تشطيبات «على المقاس» وأسعار تنافس وحدات الإسكان الفاخر
في قلب هذه الأزمة، تقف شركات تسويق المقابر التي تتحدث بلغة لا تختلف كثيرًا عن لغة مبيعات الكمبوندات والفيلات. محمود المدني، وهو مسوّق في شركة مقابر بالقاهرة الجديدة، يشرح أن سعر المقبرة «يرتبط برغبة العميل ونوعية التشطيب والخامات المستخدمة»، ويضيف أن كل مستوى من التشطيب يرفع السعر وفقًا لنوعية البناء والرخام والحديد والبوابات والواجهات.
وفقًا لحديثه، فإن بعض المقابر تُبنى بالطوب الوردي وبمستوى تشطيب متوسط، فتتراوح أسعارها بين 350 ألفًا و500 ألف جنيه لمساحات ما بين 20 و40 مترًا تقريبًا. أما المقبرة التي تصل مساحتها إلى 80 مترًا، مع تشطيبات أعلى وحجر طبيعي وواجهات فخمة، فقد تتجاوز قيمتها مليون جنيه بكل سهولة.
مصطفى الجيزاوي، مسوّق في شركة أخرى لمدافن 6 أكتوبر، يؤكد الصورة ذاتها؛ إذ يذكر أن أقل سعر لمقبرة مساحتها 20 مترًا في المنطقة يبدأ من 400 ألف جنيه، ويصل إلى 450 ألفًا إذا كانت على شارع رئيسي، مشيرًا إلى أن المقابر الحجرية أغلى ثمنًا من المبنية بالطوب الوردي، بسبب اختلاف نوعية التشطيب والواجهة. المقبرة النموذجية – كما يصفها – تتكون من «عينين» و«عضامتين» واستراحة داخلية وخارجية، لكن الفارق في السعر يأتي من الموقع والخامات والديكورات؛ وكأننا أمام وحدة سكنية، لا بيت أخير للراحلين.
ما يقوله المسوقون يكشف بوضوح أنّ المحافظة أو جهاز المدينة يطرحان الأرض أو المدفن الأساسي بسعر حكومي، ثم ينتقل الملف إلى السوق، حيث يتولى المواطن بناء المقبرة أو بيعها أو تركها لشركات تتكفل بالبناء وإعادة التسويق. ومع موجات ارتفاع أسعار مواد البناء من أسمنت وحديد ورخام وأحجار، تتصاعد تلقائيًّا أسعار «المدافن الاستثمارية»، لتنافس في بعض مناطق القاهرة الكبرى أسعار شقق الإسكان المتوسط والفوق متوسط.
مجتمع يُستهلك حيًّا وميتًا.. أين العدالة في السكن الأخير؟
في بلد تتآكل فيه قدرة الطبقة الوسطى والفقيرة على تملك شقة متواضعة، يبدو انفلات سوق المقابر دلالة رمزية قاسية على عمق الأزمة: المواطن يُرهَق بالديون والأقساط من أجل مسكنه في الدنيا، ويُطالَب اليوم أن يدخل سباقًا جديدًا لشراء مكان في «السكن الأخير». الفارق أن البيت يمكن استبداله أو تركه، أما القبر فهو آخر ما يملكه الإنسان، ومع ذلك لم يسلم من منطق «من يستطيع يدفع، ومن لا يستطيع فليبحث له عن حل».
النتيجة أن عائلات كثيرة تضطر للعودة إلى مقابر قديمة متهالكة في مناطق عشوائية، أو الاعتماد على «استضافة» في مدافن أقارب وأصدقاء، أو تأجيل التفكير في هذا الملف أصلًا إلى أن تقع الفاجعة، فتجد الأسرة نفسها في مواجهة تكلفة نقل ودفن لا تقل قسوة عن مصاريف العلاج التي سبقت الوفاة. في المقابل، تتكدس في أطراف المدن الجديدة مدافن شبه خالية، مملوكة لأثرياء أو سماسرة، في انتظار أن ترسو على أعلى سعر.
العدالة في السكن لا تتوقف عند جدران الشقة أو حدود الحي، بل تمتد إلى حق الإنسان في أن يجد لنفسه وعائلته مكانًا كريمًا يوارى فيه الثرى. حين يتحول هذا الحق إلى سلعة محكومة بقانون العرض والطلب، وبشبكات نفوذ وسماسرة، يكون المجتمع قد وصل إلى مرحلة خطيرة: لم يعد يستنزف مواطنيه أحياءً فقط، بل يلاحقهم إلى قبورهم، ويترك الفقراء يتساءلون في مرارة: إذا كانت الدنيا قد ضاقت بنا حتى لم نعد نجد فيها بيتًا، فهل تضيق بنا الأرض أيضًا بعد موتنا؟

