بينما يعاني المصريون منذ صيف 2023 من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، وتقليص أحمال امتد لساعات طويلة في يونيو ويوليو وأغسطس، تتحرك الحكومة لتأمين كميات إضافية من الغاز الطبيعي لصالح مصانع الأسمدة والبتروكيماويات بهدف زيادة الصادرات بأي ثمن.
فبحسب مصدر مطلع في المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، تحتاج هذه المصانع إلى ما بين 700 و750 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا بدلًا من 600 مليون قدم مكعب حاليًا، حتى تتمكن من تنفيذ خطط رفع الصادرات بنسبة تصل إلى 12% خلال عام 2026، وصولًا إلى أكثر من 10.5 مليار دولار، مقارنةً بـ 9.4 مليار دولار في 2025 و8.5 مليار دولار في 2024.
هذه الأرقام، التي تُقدَّم رسميًا كقصة نجاح اقتصادي، تطرح سؤالًا حادًا: من يدفع الثمن الفعلي لهذا «النجاح»؟ هل هو ميزانية الدولة التي انفجرت فيها فاتورة استيراد الغاز المسال، أم المواطن الذي يتحمل حرارة الصيف في الظلام مقابل أن تواصل مصانع الأسمدة تشغيل أفرانها وتصدير منتجاتها إلى تركيا وفرنسا وإيطاليا والبرازيل؟
صادرات بمليارات الدولارات تحتاج غازًا إضافيًا مهما كانت التكلفة
المصدر في المجلس التصديري يؤكد أن قطاع الصناعات الكيماوية والأسمدة أصبح اليوم يمثل نحو 22% من إجمالي الصادرات المصرية غير البترولية، وأن شركاته تستهدف نموًا في الصادرات يتجاوز 10.5 مليار دولار خلال العام الجاري، بشرط التزام الشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» بتوريد كامل احتياجات المصانع من الغاز الطبيعي دون انقطاع. ويشير إلى أن صادرات الأسمدة والبتروكيماويات ارتفعت بالفعل إلى نحو 9.4 مليار دولار في 2025 مقابل 8.5 مليار دولار في 2024، بزيادة قدرها 900 مليون دولار، بنسبة نمو تتجاوز 10%.
هذه الطفرة تحققت رغم فترات توقف سابقة لخطط التصدير بسبب تراجع تدفقات الغاز إلى المصانع في أعقاب أزمة الإنتاج المحلي. ولتفادي تكرار تلك الفترات، اتفقت شركات القطاع مع المجلس التصديري على فتح أسواق جديدة لتعويض أي اضطراب في الأسواق التقليدية، مع التشديد على ضرورة استقرار إمدادات الغاز كشرط رئيسي لتحقيق المستهدفات. بمعنى آخر، يتحول الغاز الطبيعي هنا من مورد وطني محدود إلى «شرط تعاقدي» لصالح كبار المصدرين، يسبق في الأولويات حق المواطنين في كهرباء مستقرة وخدمات أساسية لا تنقطع.
اللافت أن الخطة المعلنة تستند بالكامل تقريبًا إلى ضمان كميات أكبر من الغاز للمصانع: زيادة 100 إلى 150 مليون قدم مكعب يوميًا فوق المستوى الحالي، في وقت تعلم فيه الحكومة أن إنتاج الغاز المصري تراجع منذ 2023 عن مستوى الاستهلاك المحلي المقدر بنحو 6 مليارات قدم مكعب يوميًا، وأن أي زيادة في حصة الصناعة تعني تلقائيًا مزيدًا من الضغط على محطات الكهرباء أو زيادة في واردات الغاز المسال من الخارج.
تراجع الإنتاج المحلي وانفجار فاتورة استيراد الغاز المسال
منذ 2023 دخلت مصر في مرحلة واضحة من تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، انعكست مباشرة على استقرار الشبكة الكهربائية وعلى مستويات تشغيل بعض الصناعات. انخفاض الإمدادات عن الاستهلاك المحلي أدى إلى سلسلة من انقطاعات الكهرباء، خاصة في شهور الصيف، وصل فيها عدد ساعات فصل التيار في بعض المناطق إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، تحت مسمى «ترشيد الاستهلاك» أو «تخفيف الأحمال». في الخلفية، كانت مصانع الأسمدة والبتروكيماويات من بين القطاعات التي خفّضت إنتاجها مؤقتًا خلال فترات الذروة، قبل أن تعود اليوم لتطالب بزيادة حصة الغاز على حساب أي اعتبارات أخرى.
لمواجهة هذا العجز، لجأت الحكومة إلى حل مكلف للغاية: استيراد مزيد من الغاز المسال. الأرقام الرسمية تشير إلى ارتفاع قيمة واردات الغاز المسال إلى حوالي 7.2 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025، مقابل نحو 3.850 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2024، أي زيادة تقارب 87%، مدفوعة بمضاعفة عدد الشحنات المستوردة التي بلغت في ذروة الصيف حوالي 18 شحنة شهريًا، مقارنةً بما بين 5 و7 شحنات فقط في صيف 2024.
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في تصريحات سابقة في أغسطس، فضّل التركيز على ما يعتبره «ميزة استراتيجية» لمصر، مشيرًا إلى امتلاكها محطتي إسالة في إدكو ودمياط «لا تتوفر في دول كثيرة بالمنطقة»، ومتوقعًا عودة إنتاج الغاز المحلي إلى نحو 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول 2027. غير أن هذا الخطاب يتجاهل الواقع القائم اليوم: بنية تحتية تستقبل وتسيّل وتنقل الغاز بكفاءة، لكنها تُستخدم في جزء كبير منها لتدوير غاز مستورد بالعملة الصعبة، يُضخ جانب منه في مصانع التصدير، بينما يتحمل الاقتصاد كلفة الاستيراد وديونًا إضافية على الأجيال القادمة.
المواطن في الظلام والمصانع إلى الأسواق.. أزمة أولويات لا أزمة موارد
في ضوء هذه المعطيات، تبدو أزمة الطاقة في مصر أقرب إلى أزمة أولويات سياسية واقتصادية منها إلى أزمة موارد مطلقة. فالحكومة التي لم تتردد في قطع التيار عن المنازل لساعات طويلة خلال يونيو ويوليو وأغسطس، بحجة نقص الغاز وضرورة «المشاركة في تحمل الأعباء»، هي نفسها التي تستعد اليوم لزيادة حصة الغاز لمصانع الأسمدة والبتروكيماويات من 600 إلى 700 أو 750 مليون قدم مكعب يوميًا، حتى لا تتأثر خطط التصدير.
صحيح أن زيادة الصادرات توفر عملة صعبة يحتاجها الاقتصاد بشدة، لكن السؤال المشروع هو: بأي ثمن، ولصالح من؟ حين تُنفق الدولة 7.2 مليار دولار في عشرة أشهر لاستيراد الغاز، ثم تتباهى بأن قطاعًا معينًا قد يحقق 10.5 مليار دولار صادرات، لا بد من النظر إلى الصورة الكاملة: كم من هذه العوائد يدخل فعلًا إلى الخزانة العامة؟ وكم منها يذهب أرباحًا صافية للشركات؟ وكم يدفع المواطن من صحته وراحته واستقراره مقابل استمرار هذه الدورة؟
ما يزيد الصورة قتامة أن الحكومة لا تبدو جادة في طرح نقاش عام حول ترتيب الأولويات بين استهلاك المنازل والصناعة والتصدير، ولا في مراجعة سياسات دعم الطاقة للصناعات كثيفة الاستهلاك، ولا في إعادة التفاوض مع الشركاء الأجانب على حصص الإنتاج بما يضمن حصة عادلة للسوق المحلي. بدلًا من ذلك، تستمر في سردية واحدة: زيادة الصادرات بأي ثمن، ولو كان هذا الثمن مزيدًا من العتمة في بيوت المصريين، ومزيدًا من الضغط على الموازنة العامة والديون الخارجية.
في النهاية، لا أحد يرفض تنمية قطاع الأسمدة والبتروكيماويات أو توسيع الصادرات، لكن التنمية الحقيقية لا تقوم على استنزاف مورد استراتيجي مثل الغاز لصالح قلة من كبار المصدرين، وترك ملايين المواطنين يدفعون الثمن في فواتير مضاعفة وانقطاعات متكررة. ما تحتاجه مصر ليس فقط أرقامًا أكبر في خانة الصادرات، بل سياسة طاقة عادلة وشفافة، تضع حق المجتمع في كهرباء مستقرة وموارد مستدامة فوق أي سباق أعمى وراء دولارات إضافية على الورق.

