أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي موجة غضب واسعة، بعد ظهور عناصر من شرطة مطار زايد الدولي في أبوظبي وهم يوقفون امرأة ترتدي قميصًا رياضيًا يحمل كلمة «فلسطين»، ويطالبونها بتغيير ملابسها أو تغطية الشعار قبل السماح لها بالمرور.

 

وبحسب ما نُشر، فإن السيدة هي الصحفية الرياضية المقيمة في بريطانيا ليلى حامد، التي وثّقت بنفسها الواقعة بهاتفها المحمول، في مشهد يجسّد كيف تحوّل مجرد ارتداء كلمة «فلسطين» إلى «ذنب» قد يعرّض صاحبه للمنع أو الترحيل في دولة ترفع شعار «التسامح».

 

 

تفاصيل الحادثة: من «مجرد قميص» إلى «ممنوع من العبور»

 

الفيديو المتداول يُظهر شرطية إماراتية وهي تخاطب الصحفية، مطالِبة إياها بنزع القميص أو تغطيته بثوب آخر، مع تأكيد واضح أن المطلوب هو إخفاء كلمة «فلسطين» بأي شكل من الأشكال، قبل السماح لها بمتابعة طريقها داخل المطار.

وتقول حامد إنها تعرّضت للاستيقاف أكثر من مرة، وإن موظفة برفقة عسكريين اقتربت منها أربع مرات، قبل أن يُطلب منها بشكل مباشر خلع قميص منتخب فلسطين لكرة القدم الذي كانت ترتديه.

 

وفي سلسلة تغريدات على منصة «إكس»، أوضحت الصحفية أنها اعتادت ارتداء قمصان تحمل اسم فلسطين في المطارات حول العالم، وأنها عادت مؤخرًا من رحلات إلى اليابان وكوريا الجنوبية دون أن تواجه أي مشكلة، بل إن مصورًا كوريًا طلب التقاط صور لها بالقميص نفسه، على العكس تمامًا مما جرى في أبوظبي.

وأشارت إلى أن القميص له بعد خيري، حيث يُخصص جزء من عائد بيعه لدعم أطفال غزة، ما يجعل من منعه رسالة قاسية ليس فقط ضد حرية التعبير، بل ضد أبسط صور التضامن الإنساني مع ضحايا الحرب.

 

تقارير صحفية غربية تناولت الواقعة بدورها، مؤكدة أن حامد أُبلغت في مطار أبوظبي بأنه لن يُسمح لها بالصعود إلى الطائرة ما لم تُغيّر القميص أو تُخفي كلمة «Palestine»، وأن مسؤولة الأمن بررت ذلك بأن الشعار المكتوب بالعربية «غير مسموح» وقد يجعل الركاب الآخرين «غير مرتاحين».

 

نمط متكرر: من «تيشيرت فلسطين» إلى ترحيل طالب هتف «فلسطين حرة»

 

الحادثة لا تبدو منفصلة عن سياق أوسع من التضييق على أي مظهر علني للتضامن مع فلسطين داخل الإمارات منذ توقيع «اتفاقيات أبراهام» وتوثيق التحالف السياسي والاقتصادي مع الاحتلال الإسرائيلي.

تقارير إعلامية وحقوقية أشارت خلال الشهور الماضية إلى منع دخول أشخاص يرتدون الكوفية الفلسطينية إلى فعاليات عامة، ورفض مظاهر بسيطة من التضامن في الفعاليات الثقافية والطلابية.

 

وفي مايو 2024، وثّقت وسائل إعلام دولية ومنظمات معنية بحرية الأكاديميا قيام السلطات الإماراتية باحتجاز طالب دكتوراه في جامعة نيويورك أبوظبي ثم ترحيله، بعد أن ارتدى الكوفية الفلسطينية وهتف «فلسطين حرة» أثناء حفل تخرّجه.

 

الحادثة أثارت موجة انتقادات لجامعة نيويورك، التي أقرت بأنها لا تملك أي سلطة على قرارات الأمن والهجرة في الدولة، فيما حذرت منظمات أكاديمية من أن مثل هذه الإجراءات تقوّض حرية التعبير والبحث في الحرم الجامعي.

 

هذه الوقائع تأتي في بلد تشير تقارير المنظمات الحقوقية الدولية إلى أنه يفرض قيودًا صارمة على حرية التعبير والتجمع السلمي، ويجرّم عمليًا أي احتجاج أو انتقاد علني لسياسات الدولة أو تحالفاتها، مع حضور أمني كثيف في الفضاءين العام والرقمي على حد سواء.

 

بين خطاب «التسامح» وواقع التطبيع: ما الذي يكشفه فيديو «تيشيرت فلسطين»؟

 

فيديو الصحفية التي مُنعت من عبور مطار زايد بقميص يحمل كلمة فلسطين، يطرح أسئلة عميقة حول اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الإماراتي الذي يتحدث عن «التسامح» و«الوسطية»، وبين ممارسات ميدانية تُضيّق حتى على قطعة قماش تُذكّر بقضية شعب تحت الاحتلال.

 

ففي الوقت الذي تؤكد فيه أبوظبي في المحافل الدولية دعمها لـ«حل الدولتين» و«حقوق الشعب الفلسطيني»، تُظهر هذه الحوادث أن أي تعبير فردي بسيط عن الانحياز لفلسطين يُعامل كتهديد أمني أو خطأ سياسي لا يُغتفر.

 

كما يعكس السلوك الأمني المتشدد تجاه الشعارات الفلسطينية حساسية متزايدة لدى السلطات تجاه أي رموز قد تُفهم كاحتجاج على مسار التطبيع مع إسرائيل، أو كرسالة ضمنية ترفض تحالفات أبوظبي الجديدة في المنطقة.

 

فبعد أربع سنوات من توقيع اتفاقيات التطبيع، تتحدث تقارير عن كلفة سياسية متصاعدة تدفعها الإمارات في محيط عربي غاضب من مشاهد الإبادة في غزة، وعن تأثر صورة الدولة وسمعتها مع كل حادثة قمع تطال من يرفع علم فلسطين أو يهتف باسمها.

 

وفي حين تُصرّ السلطات على ضبط الفضاء العام ومنع أي مظهر للتظاهر أو التجمع، فإن «فيديو التيشيرت» يثبت أن دائرة المنع باتت تشمل الجسد الفردي وملابسه، وأن ما يُكتب على قميصٍ لم يعد مسألة ذوق شخصي أو تعبير رمزي عابر، بل شأنًا أمنيًا قد يحدد مصير المسافر: إما أن يغيّر ما يرتدي، أو يُحرم من حقه في الحركة والسفر.

 

بهذه الصورة يتحول المطار، الذي يُفترض أن يكون بوابة مفتوحة على العالم، إلى نقطة تفتيش للآراء والقناعات قبل أن يكون مكانًا لتفتيش الحقائب.

 

وبينما يستمر تضييق الخناق على أصوات التعاطف مع فلسطين داخل الإمارات، يبقى فيديو الصحفية و«تيشيرت فلسطين» شاهدًا جديدًا على ثمن بسيط – لكنه فاضح – يدفعه كل من يصرّ على حمل فلسطين على صدره، حتى إن كانت مجرد كلمة على قطعة قماش.