صلاح الدين الجورشي

محلل سياسي وإعلامي، مدير مكتب العربي الجديد في تونس

 

ما نسمعه ونشاهده محيّر ومعطّل للعقل والفهم، وكأن العالم يتابع فيلما غرائبيا وخياليا، تجري أحداثه في فترة تاريخية تعود إلى ثلاثة آلاف عام على الأقل. من لقطات هذا الفيلم، الرئيس الأمريكي المفتون بالفتيات الصغيرات جالس في المكتب البيضاوي، محاط بوزرائه ورجال دين، وهم يضعون أيديهم على جسمه، ويرددون دعاء يباركون به هذا الكائن الغريب. وفي القارة الأخرى، شخص يدعى نتنياهو الملاحق من قبل المحكمة الجنائية الدولية، يزعم بكونه مكلفا من الرب برسالة مقدسة للرفع من شأن الأمة اليهودية حتى لو كلفه ذلك القضاء على بقية الكائنات البشرية.

 

هذا ليس ادعاء، وإنما هو نقل مباشر لما يجري على الساحة الدولية. نسمع أن قادة الإدارة الأمريكية يأمرون جنودهم بالاستعداد لعودة المسيح وهم يتجهون إلى الحرب على إيران، ويؤكدون أن ذلك جزء من معركة "هرمجدون" المذكورة في التوراة، والتي ستندلع قبل نهاية الزمان. أما وزير الحرب الأمريكي، فهو يعقد اجتماعات دورية في البيت الأبيض لدراسة الإنجيل من الزاوية الأكثر تطرفا. وفي السياق ذاته، صرح السفير الأمريكي في إسرائيل قبل فترة وجيزة من الهجوم على إيران، بأن ترامب سيتلقى رسالة من الله، بحجة أن المسيح اختاره خصيصا لقيادة هذه الحرب الحتمية. بل ذهب هذا السفير إلى حد الزعم بأن "مكة والمدينة وجبل سيناء هي أرض أعطاها الله لليهود"، ومعها جزء كبير من أراضي الشرق الأوسط، وذلك لإقامة إسرائيل الكبرى.

 

في هذا السياق توقف د. فوزي البدوي، أستاذ الدراسات اليهودية ومقارنة الأديان في تونس، لإبراز الدلالات الدينية لاختيار تاريخ الهجوم على إيران واغتيال خامنئي، وأعاده إلى حرب قيل بكونها تمت في عام 5786 العبري، وعُرفت بـ"ذكرى السبت"، وهو اليوم الموافق لتخليص اليهود من الحكم الفارسي.

 

ما سردته لا يتعلق فقط بما يسمى بالجناح المتطرف في حكومة تل أبيب كما اعتقد الكثيرون، وإنما حتى الكثير من العلمانيين الإسرائيليين مسكونون أيضا بهذه الأساطير التلمودية. فزعيم المعارضة لابيد أكد بوضوح في ندوة صحفية مخاطبا الأعداء، أن الشعب اليهودي "لن يغادر فلسطين، لأن سفر التكوين هو الذي نص على بقائهم هناك، فأرض كنعان ملك لليهود إلى الأبد".

 

هذه وقائع وشهادات موثقة، تدل على أن العالم قد دخل فعلا المرحلة العبرية من الباب الكبير، وأن أي تهاون في التصدي لهذه الأساطير والادعاءات ستكون نتيجته ضياع الأوطان وسفك الدماء وفقدان الكرامة.

 

ما يحيّر أيضا أن الكثير من العرب والمسلمين انخرطوا بدورهم في هذه الأجواء الأسطورية، هم أيضا ينطلقون من مخزونهم التراثي لبناء "استراتيجيتهم" المناهضة لهذه السردية التراثية. فالشيعة ينتظرون بفارغ الصبر ظهور المهدي لكي يطهر الأرض ويملأها عدلا بعد أن امتلأت جورا. وكذلك الشأن في كتب أهل السنة التي أشارت إلى المسيح الدجال الذي يتقمص شخصية عيسى الرسول لكي يتحايل على المؤمنين، ويفسد في الأرض بعد إصلاحها. وبناء عليه يتم إسقاط هذه المعتقدات على الواقع الراهن بمختلف شخوصه واحتمالاته، حتى يبدو الأمر كأن العالم يخضع لحتميات وسيناريوهات مسبقة، يقوم فيها كل طرف بدور مرسوم له منذ الأزل.

 

ليس المهم إن كانت هذه الروايات صحيحة أم أن الكثير منها جزء من الإسرائيليات التي تسربت إلى كتب التراث الإسلامي، وإنما الأهم هو الخوف من الانغماس في هذا الفضاء الافتراضي، والتغاضي عن الأسباب العميقة التي أدت إلى هذا الواقع المؤلم والخطير بالنسبة لشعوب هذه المنطقة. فما يجري وما يقال مآله تغيير الخرائط الجغرافية للمنطقة، ونهب ثرواتها، وإخضاع الأجيال المقبلة لعدو لا يمكن الفكاك منه سياسيا واقتصاديا، وممنوع عليها أن تقاومه أو حتى أن تفكر في مواجهته بأي شكل من الأشكال.

 

لهذا، ما كان يقال سرا أصبح يطرح علنا وأمام الجميع دون تحفظ أو خجل، ويتأكد أن يجري هو نتاج تخطيط تم الإعداد له منذ قرن ونصف. والغريب أن خطط العدو تنجح في معظمها، في حين أن ردود فعل دول المنطقة تكون في الغالب أقرب إلى الكرات الضائعة كما يقال في لغة الرياضيين، وأحيانا تؤدي إلى تسجيل أهداف في مرمى أصحابها. لا يهم إن اقترب العالم من نهاية الزمان أم لا، فذلك من علم الله، ولكن الأهم أن تبقى الدول العربية والإسلامية ولا تخرج من التاريخ والجغرافيا.