في تطور لافت على مسار إعادة بسط مؤسسات الدولة السورية نفوذها في شمال شرقي البلاد، دخلت وحدات من قوى الأمن الداخلي السوري إلى مدينة القامشلي، كبرى مدن محافظة الحسكة، تنفيذًا للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية لجهة إعادة ترتيب المشهدين الأمني والسياسي في المنطقة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الشراكة، وضبط الأمن، وعودة مؤسسات الدولة.
دخول منظم وأجواء «إيجابية»
وجاء دخول قوات الأمن وسط تنسيق ميداني مع قوى الأمن الداخلي التابعة لـ«قسد» (الأسايش)، وبحضور رسمي من الطرفين، حيث ألقى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، كلمة أمام مقر الأسايش في مدينة الحسكة، أكد فيها أن عملية الدخول إلى القامشلي تمت «وسط اهتمام لافت وتنظيم مشكور» من جانب الأسايش، مشيدًا بما وصفه «حسن الاستقبال وروح التعاون».
وأوضح البابا أن وزارة الداخلية، ممثلة بقائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة العميد مروان العلي، ومدير إدارة المهام الخاصة العميد أبو البراء عبد الرزاق، باشرت باستلام عدد من المباني الأمنية في مدينة القامشلي، تمهيدًا لتولي مهام حفظ الأمن والنظام العام، بالتوازي مع استمرار التنسيق والتعاون مع قوى الأسايش، وذلك «وفق الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية».
وأشار إلى أن الأجواء التي رافقت عملية الانتشار «إيجابية جدًا من جميع الأطراف»، معتبرًا أن هذه الخطوة تعبّر عن حاجة ملحة لدى السوريين لإنهاء سنوات الانقسام والتوتر، مضيفًا: «الشعب السوري بكل مكوناته انتصر اليوم»، وداعيًا إلى فتح صفحة جديدة تقوم على المصالحة، وبناء «سوريا الجديدة بعيدًا عن الثارات وخطاب الكراهية».
الحسكة بين الأمن والتنمية
وفي حديثه عن محافظة الحسكة، شدد البابا على أن المنطقة «لا تحتاج إلى مزيد من الدماء أو الطلقات أو القذائف»، بل تحتاج، كما باقي المناطق السورية، إلى الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.
واعتبر أن دخول مؤسسات الدولة إلى المحافظة من شأنه إعادة تفعيل دور الحسكة لتكون «قلبًا جديدًا ينبض لسوريا في الاقتصاد والعمران والحضارة»، في إشارة إلى ما تمتلكه المنطقة من موارد زراعية ونفطية وبشرية.
كما أعرب المتحدث باسم وزارة الداخلية عن أمله في استكمال تنفيذ ما تبقى من بنود الاتفاق ضمن الجدول الزمني المحدد، مؤكدًا أن الخطة تشمل استلام وإدارة المنشآت الحيوية، مثل المعابر الحدودية، ومطار القامشلي الدولي، والحقول النفطية، بما يضمن إعادة تشغيلها لخدمة جميع السوريين.
رسائل سياسية موازية: لقاء الشرع والمجلس الوطني الكردي
بالتوازي مع التطورات الميدانية، شهدت دمشق حراكًا سياسيًا لافتًا، حيث أعلنت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع التقى في قصر الشعب وفدًا من المجلس الوطني الكردي، جرى خلاله بحث جملة من القضايا السياسية والوطنية، وعلى رأسها أوضاع المواطنين الأكراد في سوريا، وسبل ضمان حقوقهم ضمن إطار الدولة السورية.
وأكد الرئيس الشرع، بحسب بيان الرئاسة، التزام الدولة السورية بضمان حقوق المواطنين الأكراد دستوريًا، بما يعزز مبدأ المواطنة المتساوية، ويحفظ الخصوصية الثقافية والاجتماعية، في سياق الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها. وشدد على أن الأكراد «جزء أصيل من النسيج الوطني السوري»، وأن حقوقهم لا تنفصل عن مشروع الدولة الجامعة لكل مكوناتها.
من جانبه، رحب وفد المجلس الوطني الكردي بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، معتبرًا إياه خطوة مهمة في اتجاه تعزيز الحقوق وصون الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمواطنين الأكراد، ورأى فيه مدخلًا إيجابيًا لبناء الثقة، وإطلاق مسار سياسي أوسع للحوار الوطني.
تأكيدات دبلوماسية على وحدة البلاد
ويأتي لقاء الرئيس الشرع بعد يوم واحد فقط من استقبال وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني وفدًا من المجلس الوطني الكردي في دمشق، حيث أكد الوزير، وفق ما أوردته وزارة الخارجية، على وحدة الأراضي السورية وسلامتها، وعلى حقوق المواطنين الأكراد ضمن إطار سوريا الموحدة، باعتبار هذه الحقوق «جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني».
وشدد الشيباني على أن تعزيز المواطنة المتساوية، مع احترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، يشكل حجر الأساس لبناء دولة مستقرة وقادرة على تجاوز إرث الصراع.
الاتفاق مع «قسد»: من الأمن إلى الاندماج
ويُعد دخول الأمن السوري إلى القامشلي جزءًا من الاتفاق الشامل الذي أعلنت الحكومة السورية التوصل إليه مع «قسد»، والذي ينص على إنهاء حالة الانقسام، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة. وبحسب وزارة الداخلية، يشمل الاتفاق أيضًا معالجة ملف المقاتلين الأجانب، ودمج كوادر الأسايش ضمن صفوف ومرتبات وزارة الداخلية، في إطار هيكلية رسمية موحدة.
وأكد قائد الأمن الداخلي في الحسكة العميد مروان العلي أن دخول القوات إلى الحسكة والقامشلي يأتي ضمن خطة متدرجة، مشيرًا إلى أن قوات الأسايش والقوى الأمنية التابعة لـ«قسد» ستندمج ضمن هيكلية وزارة الداخلية بعد استكمال تنفيذ بنود الاتفاق.
تحديات أمنية مستمرة
ورغم هذه التطورات، لا تزال التحديات الأمنية حاضرة، إذ قُتل ثلاثة من أفراد الأمن السوري وأُصيب سبعة آخرون في ريف حلب الشمالي، إثر انفجار داخل نفق في بلدة صرين، خلال عمليات تمشيط نفذتها القوات الأمنية في مناطق كانت تسيطر عليها «قسد». وأفادت مصادر أمنية بأن الانفجار ناجم عن قنبلة زرعها عناصر من التنظيم.
وتؤكد الحكومة السورية أن عمليات التمشيط والتفتيش ستتواصل لضمان الاستقرار، ومنع أي محاولات لعرقلة تنفيذ الاتفاق أو زعزعة الأمن في المناطق التي استعادها الجيش السوري.

