أعاد ظهور اسم جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، وزوجته خديجة الجمال، في وثائق وزارة العدل الأمريكية الخاصة بقضية جيفري إبستين، فتح ملف حسّاس عن طبيعة شبكة العلاقات التي أحاطت بنظام مبارك قبل سقوطه، وعن نظرة هذه النخبة لثورة 25 يناير والمصريين الذين صنعوها.

 

فالوثائق التي تضم ملايين الصفحات، لم تكشف فقط عن تداخلات مالية وشخصية لرجل الأعمال الأمريكي المتهم بإدارة واحدة من أخطر شبكات الاستغلال الجنسي في العالم، بل أظهرت أيضًا رسالة إلكترونية ذات طابع سياسي أرسلها جمال من السجن عام 2011، استخدم فيها وصفًا صادِمًا للمصريين باعتبارهم «الغوغاء»، في سياق تبريره لمحاكمته وإطاحة نظام والده.

 

 

رسالة من السجن.. «ضغط الغوغاء» ومحاولة إعادة تعريف الثورة

 

وفق الوثيقة المؤرخة في 12 يونيو 2011، بعث جمال مبارك برسالة عبر البريد الإلكتروني إلى زوجته خديجة الجمال، كان عنوانها ومضمونها يدوران حول ظروف احتجازه ومحاكمته بعد الثورة. خديجة بدورها مررت هذه الرسالة إلى الدبلوماسي النرويجي البارز تيري رود لارسن، الذي تولى إرسالها إلى جيفري إبستين ضمن مراسلات أوسع.

 

في الرسالة، اشتكى جمال من أن احتجازه وإحالته للمحاكمة تمّا ـ بحسب تعبيره ـ «بضغط من الغوغاء»، في إشارة مباشرة إلى الحراك الشعبي الذي انطلق في 25 يناير وأطاح بحكم والده بعد ثلاثة عقود في السلطة. كما اتهم السلطات المصرية في تلك الفترة بأنها خضعت لـ«استرضاء الشارع»، وأن الإعلام الرسمي ساهم في «تشويه سمعته وسمعة أسرته».

 

هذه اللغة، كما عكستها الوثيقة الأمريكية، فجّرت انتقادات واسعة؛ فهي تكشف عن نظرة استعلائية تجاه ملايين المصريين الذين خرجوا يطالبون بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتعيد إنتاج خطاب قديم يعتبر الجماهير مجرد «رعاع» قابلين للتجييش، لا شعبًا يملك إرادة سياسية ووعياً بحقوقه. الرسالة بدت أمام كثيرين امتدادًا للذهنيّة التي حكمت علاقة النظام بالنّاس قبل الثورة، بدل أن تكون اعترافًا بأخطاء الماضي أو احترامًا لخيارات الشارع الذي غيّر المشهد السياسي جذريًا.

 

مثلث الاتصال: جمال وخديجة ولارسن.. وإبستين في الخلفية

 

إحدى أهم دلالات الوثيقة ليست فقط مضمون رسالة جمال، بل «مسارها»؛ إذ تكشف عن حلقة اتصال ثلاثية واضحة:

 

أولًا، مصدر الرسالة: جمال مبارك، من داخل سجنه في مصر، في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لمستقبله الشخصي ومصير عائلته. إلى جانبه زوجته خديجة الجمال، التي لعبت دور الناقل الأول للمراسلة خارج الحدود.

 

ثانيًا، الوسيط: تيري رود لارسن، الدبلوماسي النرويجي المعروف، والمبعوث الأممي السابق، وأحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها باتفاق أوسلو ومسارات التفاوض في الشرق الأوسط. وجوده هنا لا يبدو صدفة؛ فهو يمثل نموذج «الدبلوماسية غير الرسمية»، حيث تستخدم العلاقات الشخصية والقنوات الخلفية لمحاولة التأثير في ملفات سياسية وقضائية حساسة.

 

ثالثًا، المتلقي النهائي: جيفري إبستين، رجل الأعمال الذي تحول اسمه إلى مرادف لشبكات النفوذ المظلمة، حيث تختلط المصالح المالية بالعلاقات السياسية والفضائح الجنسية. وصول رسالة تخص قضية داخلية مصرية، تتعلق بمحاكمة ابن الرئيس المخلوع، إلى صندوق بريده الإلكتروني، يفتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة: ما الدور الذي كان يلعبه إبستين تحديدًا في هذه القصة؟ هل كان مجرد عنوان ضمن شبكة علاقات واسعة، أم طرفًا يُعوَّل عليه في ممارسة ضغوط أو ترتيب صفقات في الكواليس؟

 

حتى الآن، لا تتضمن الوثائق اتهامًا مباشرًا لجمال مبارك أو زوجته بالتورط في الجرائم الجنسية المرتبطة بإبستين، لكن مجرد وجود أسمائهما في سجل مراسلاته يضعهما في دائرة أسئلة سياسية وأخلاقية، خصوصًا أن الرسالة لم تكن اجتماعية أو شخصية بحتة، بل مرتبطة بمسار محاكمة بعد ثورة شعبية.

 

إبستين وشبكة ما قبل الثورة.. ماذا تقول لنا الوثائق عن نخبة الحكم؟

 

تكشف الوثائق المنشورة أن جيفري إبستين لم يكن مجرد ملياردير منحرف السلوك، بل عقدة مركزية في خريطة نفوذ عابرة للحدود، ضمت سياسيين ورجال أعمال ودبلوماسيين من دول عدة. احتفظ إبستين، بحسب وزارة العدل الأمريكية، بسجلات دقيقة لمراسلاته واتصالاته، ما جعل الإفراج عنها اليوم بمثابة فتح صندوق أسود لعقود من العلاقات التي لم تكن مرئية للرأي العام.

 

في هذا السياق، تبدو رسالة جمال مبارك جزءًا من نمط أوسع؛ نمط تشير فيه الوثائق إلى أن نخبة الحكم في دول مختلفة، من بينها مصر ما قبل الثورة، لم تكن تعتمد فقط على القنوات الرسمية، بل لجأت إلى شبكات شخصية متداخلة مع عالم المال والتأثير غير الرسمي، بحثًا عن دعم أو وساطة أو حماية في اللحظات الحرجة.

 

اعتماد رجل كان يُنظر إليه باعتباره مهندس «توريث الحكم» في مصر على قناة تمر عبر خديجة الجمال، ثم دبلوماسي أممي سابق، ثم رجل أعمال سيئ السمعة مثل إبستين، في لحظة سقوط النظام، يعكس حجم الرهان على علاقات النفوذ العابرة للحدود، بدل الرهان على استعادة ثقة الداخل أو الاعتراف بإرادة الشارع.

 

كما أن وصف المصريين بـ«الغوغاء» في رسالة موجهة إلى هذا النوع من الوسطاء الدوليين يطرح سؤالًا إضافيًا: كيف كانت تُقدَّم صورة الشعب وثورته أمام دوائر النفوذ الخارجية؟ وهل كانت هذه اللغة جزءًا من استراتيجية دفاع سياسية تحاول إقناع العالم بأن ما جرى في 25 يناير مجرد فوضى جماهيرية لا ثورة شعبية؟

 

في النهاية، لا تحاكم هذه الوثائق جمال مبارك وزوجته أمام القضاء، لكنها تضعهما مجددًا أمام محكمة الرأي العام؛ ليس فقط بسبب اتصال اسميهما بجيفري إبستين، بل لأن الكلمات التي خرجت من زنزانة عام 2011 لا تزال حتى اليوم تعكس الفجوة العميقة بين نظرة نخبة الحُكم السابقة إلى المصريين، وبين الصورة التي رسمها هؤلاء لأنفسهم حين خرجوا إلى الميادين مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة.