في مشهد يلخص فلسفة الحكم في مصر ما بعد انقلاب يوليو، ظهر قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي فجر الجمعة من داخل الأكاديمية العسكرية في العاصمة الإدارية الجديدة ليعلن – بكل ثقة – التوسع في التعليم العسكري عبر إنشاء 4 كليات عسكرية جديدة للطب والهندسة والبرمجيات والعلاج الطبيعي، مع دراسة كليات عسكرية متخصصة للسياسة والاقتصاد، بالتوازي مع إخضاع القضاة والموظفين المدنيين لدورات "إجبارية" داخل نفس الكيان.
السيسي لم يكتفِ بالدفاع عما يصفه بـ"التعليم الحقيقي" داخل الأكاديمية، بل هاجم أداء مؤسسات الدولة المدنية، وألمح إلى أن الطريق للإصلاح يمر عبر بوابة الجيش وحده؛ من تدريب القضاة وموظفي وزارات الري والأوقاف والخارجية والتعليم والنقل، إلى صناعة نخبة جديدة تدين بالولاء للمؤسسة العسكرية قبل أي شيء آخر.
الأكاديمية العسكرية تتحول إلى مركز حكم: من تدريب القضاة إلى صهر مؤسسات الدولة في قبضة الجيش
خلال كلمته من الأكاديمية العسكرية، التي أُنشئت رسميًا بموجب القانون 149 لسنة 2022 لتضم الكليات الحربية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، أعلن السيسي صراحة ضم القضاة إلى برامج تدريبها، بعد أزمة معلنة بين مجلس القضاء الأعلى والأكاديمية حول أحقية تعيين أعضاء النيابة.
كما تفاخر بحضور متدربين من وزارات الري، الأوقاف، الخارجية، التعليم، النقل وغيرها، في رسالة سياسية واضحة: لا تعيين ولا ترقّي في أجهزة الدولة إلا من بوابة المؤسسة العسكرية.
هذا التوجه لا يأتي من فراغ؛ فالسيسي سبق أن منح في عام 2023 خريجي الكليات الحربية والبحرية والجوية والدفاع الجوي شهادات مدنية – بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية، أو تجارة، أو حاسبات ومعلومات – إلى جانب بكالوريوس العلوم العسكرية، في خطوة هدفها دمج خريجي الجيش في مفاصل الإدارة المدنية دون منافسة حقيقية من خريجي الجامعات المدنية.
الخبير في الاستراتيجية وإدارة الأزمات الدكتور مراد علي يرى أن ما يجري "ليس تطويرًا للتعليم العسكري بل إعادة تشكيل لمسارات النفوذ داخل الدولة"، مؤكدًا في حديثه لـعربي21 أن القرارات الكبرى باتت تُتخذ داخل دوائر مغلقة بعيدًا عن المؤسسات الدستورية، وأن دمج العلوم المدنية داخل إطار عسكري صارم يعني عمليًا الانتقال من دولة تعددية إلى "دولة تُدار بمنطق الهرم الواحد".
على الجانب الفكري، يحذر الباحث في الشؤون العسكرية محمود جمال عبر المعهد المصري للدراسات من أن ما يحدث يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لـ"عسكرة الدولة"، حيث تتحول القوات المسلحة من فاعل مهني خاضع لسلطة مدنية إلى فاعل سياسي واقتصادي وتعليمي مهيمن، بما يضعف المؤسسات المدنية، ويحوّل الدولة إلى كيان أمني أكثر منه كيانًا سياسيًا–اجتماعيًا.
تجريف الجامعات المدنية وتعميق الطبقية: أموال طائلة للكليات العسكرية وتجويع التعليم العام
في الوقت الذي يُضَخ فيه تمويل غير معلن في الأكاديمية العسكرية، وكياناتها مثل أكاديمية ناصر العسكرية وكلية الحرب العليا وكلية الدفاع الوطني والكلية الفنية العسكرية وكلية الطب بالقوات المسلحة والكلية العسكرية التكنولوجية؛ تعاني الجامعات المدنية من التجويع المزمن.
في مصر اليوم نحو 110 جامعة: 28 حكومية، 37 خاصة، 20 أهلية (دولية ومنبثقة من الجامعات الحكومية)، 14 تكنولوجية، و11 دولية، ويزيد عدد طلاب الجامعات عن 3.7 مليون طالب، لكن العنوان الرئيسي هو تراجع جودة التعليم؛ إذ تحتل مصر المركز 87 في مؤشر جودة التعليم الجامعي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026.
تبلغ مخصصات التعليم العالي في موازنة 2025/2026 حوالي 358.2 مليار جنيه؛ ومع ذلك اعترف السيسي بنفسه في 14 يونيو 2023 بأن الحكومة لا تلتزم بالحد الأدنى الدستوري للإنفاق على التعليم والصحة.
تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 17 يونيو 2023 كشف أن مخصصات 2023/2024 لبناء مباني مجلس النواب ومجلس الشيوخ ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء والمجالس التخصصية ودواوين عموم المحافظات والجهاز المركزي للمحاسبات ووزارة المالية ووزارة الخارجية في العاصمة الإدارية الجديدة تعادل تقريبًا مخصصات التعليم، في فضيحة تعكس أولوية الخرسانة على الإنسان.
الأخطر أن تقرير هيومن رايتس ووتش في 7 يناير 2026 أكد أن الإنفاق على التعليم في مصر استمر في التراجع خلال خمس سنوات متتالية، وأن موازنة التعليم في 2025/2026 – بنحو 315 مليار جنيه (حوالي 6.3 مليار دولار) – لا تتجاوز 1.5٪ من الناتج المحلي و4.7٪ من الإنفاق الحكومي، وهي أقل نسبة منذ 2019، وبحسب حسابات التضخم انخفض الإنفاق الحقيقي على التعليم 10٪ عن 2024/2025، و39٪ عن 2013/2014.
ورغم أن السيسي دفع خلال العامين الأخيرين نحو التوسع في الجامعات الأهلية لتكون – كما قال – بديلًا عن الجامعات الحكومية، فإن أصواتًا عديدة حذرت من أن الكليات العسكرية الجديدة تهدد ما تبقى من وزن للتعليم المدني؛ فالسفير فوزي العشماوي وصف فكرة الإشراف العسكري على قطاعات مدنية بأنها "فكرة غريبة لم تنجح في أي دولة"، بينما حذر الكاتب أحمد حسن بكر من أن بناء كليات عسكرية بتخصصات مدنية يضر بالجامعات الأهلية رغم ما أُنفِق عليها.
دين خارجي قياسي ودولة تُدار كمعسكر: حين يتقدم التعليم العسكري بينما تغرق مصر في 163.7 مليار دولار ديونًا
في خلفية هذا التوسع العسكري في التعليم، تقف أرقام مرعبة عن واقع الاقتصاد. الدين الخارجي لمصر تجاوز 163.7 مليار دولار، ووفق البنك الدولي تصل مدفوعاته إلى 50.83 مليار دولار بنهاية سبتمبر المقبل، بينما سجل الدين المحلي 11.05 تريليون جنيه في يونيو الماضي، لتستحوذ خدمة الدين على 96٪ من إيرادات الموازنة في أول خمسة أشهر من 2025/2026، مع استمرار الحكومة في الاقتراض وإصدار أدوات مثل السندات صفرية الكوبون المقرر طرحها في فبراير.
في المقابل، تستمر السلطة في إغراق البلاد بمشروعات ذات طابع استعراضي، من العاصمة الإدارية الجديدة إلى مجمعات الطرق والكباري، مع ضخ أموال في الأكاديمية العسكرية ومنظومة الكليات الحربية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، وإعادة هيكلة أكاديمية ناصر العسكرية، ودمج التعليم المدني والعسكري عبر منح خريجي الكليات العسكرية شهادات في الاقتصاد والعلوم السياسية والتجارة والحاسبات والمعلومات.
الباحث محمود جمال يحذر من أن هذا المسار يؤدي إلى "إضعاف الاحتراف العسكري نفسه" بسبب تشتيت المهام بين القتال، والاقتصاد، والتعليم، والإدارة، بينما يحذر مراد علي من أن دولة بلا جامعات حرة ولا مؤسسات مستقلة ولا مسارات عادلة للصعود الاجتماعي "محكوم عليها بالانهيار مهما بدا النظام قويًا من الخارج".
وبينما تتراجع مصر – بشهادة هيومن رايتس ووتش والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية وتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي – في الإنفاق على التعليم وجودته، يصر عبد الفتاح السيسي على توسيع نفوذ الجيش المصري في كل ما هو مدني: من التعيين في أجهزة الدولة إلى تشكيل النخبة الجديدة عبر الأكاديمية العسكرية.
هكذا تتكرس واحدة من أخطر صور "عسكرة مصر": دولة تُدار كمعسكر مغلق، حيث تتقلص مساحة المجتمع والجامعة والقانون، ويتضخم ظل "قائد الانقلاب العسكري" على كل ما هو علم، واقتصاد، وسياسة، ومصير.

