بينما تغرق مصر في مستنقع مديونية خارجية متفاقمة، يستعد البنك المركزي المصري لطرح أذون خزانة مقومة بالدولار لأجل عام واحد بقيمة 950 مليون دولار اليوم الإثنين، لتحل محل أذون قائمة لأجل عام أيضًا بقيمة 1.06 مليار دولار يبلغ متوسط عائدها 4.25%، وفقًا لوكالة رويترز.
عمليًّا لا يعني ذلك سدادًا حقيقيًا، بل استبدال دين بدين، في وقت تقترب فيه استحقاقات الديون الخارجية حتى نهاية سبتمبر من 50.8 مليار دولار، أغلبها ودائع وعملات لدى البنك المركزي نفسه.
هذا التحرك يأتي بعد قرار لجنة السياسة النقدية في اجتماعها خلال ديسمبر الماضي بخفض أسعار الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، ليصل عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20.00%، والإقراض إلى 21.00%، وسعر العملية الرئيسية إلى 20.50%، مع خفض سعر الائتمان والخصم إلى 20.50% أيضًا، بزعم أن القرار يعكس تقييم اللجنة لتطورات التضخم وتوقعاته.
لكن خلف هذه الأرقام تختبئ أسئلة حادة: هل أصبحت أذون الخزانة الدولارية هي وسيلة النظام الأساسية لشراء الوقت؟ وهل ما يحدث إدارة لأزمة أم تعميق لها؟
أذون بـ 950 مليون دولار.. استدانة بالعملة الصعبة لسداد استحقاقات الأمس
من زاوية خبير الاقتصاد السياسي د. أحمد السيد النجار (الرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام)، فإن طرح أذون خزانة دولارية جديدة بهذا الحجم «يعني ببساطة أن الدولة غير قادرة على سداد أصل الدين، فتختار إعادة تمويله بالاستدانة من جديد»، موضحًا أن استبدال 1.06 مليار دولار بأذون جديدة قيمتها 950 مليون دولار قد يبدو تخفيضًا في القيمة الاسمية، لكنه في الحقيقة إبقاء للدين في عنق الاقتصاد مع احتمال ارتفاع تكاليفه مستقبلًا إذا طال أمد الاعتماد على هذا المسار.
النجار يرى أن خطورة الأذون الدولارية لا تتعلق بالمبلغ فقط، بل بطبيعة الأداة نفسها: التزام قصير الأجل، عالي الحساسية لتقلبات شهية المستثمرين والمخاطر الجيوسياسية.
ومع متوسط عائد سابق عند 4.25% في بيئة تتغير فيها أسعار الفائدة العالمية بسرعة، يمكن أن يجد البنك المركزي نفسه مضطرًا لقبول عوائد أعلى في الطروحات المقبلة، أو مواجهة إحجام المستثمرين عن التجديد.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي د. عمرو عادلي (أستاذ الاقتصاد المساعد بالجامعة الأمريكية في القاهرة)، الذي يؤكد أن الاعتماد على أدوات دين قصيرة الأجل بالعملة الصعبة «يبقي الاقتصاد في حالة ركض دائم على جهاز دين لا يتوقف»، حيث تصبح كل سنة سباقًا لإعادة تمويل ما استحق من قبل، لا لبناء قدرة حقيقية على السداد من خلال زيادة الإنتاج والصادرات.
وبحسب عادلي، فإن هذه السياسة «تشتري شهورًا من الهدوء مقابل سنوات إضافية من التبعية للدائنين».
50.8 مليار دولار استحقاقات حتى سبتمبر.. جبل ديون يتضخم رغم ترقيع الحكومة للأرقام
وفقًا لجدول استحقاقات الدين الخارجي الصادر عن البنك الدولي، تتجه الحكومة المصرية لسداد نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بينها حوالى 21 مليار دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي، معظمها لدول خليجية يتم تجديدها دوريًا.
خلال الأشهر التسعة الأولى، يُفترض أن تسدد الدولة نحو 28 مليار دولار في الربع الأول وحده، منها 13.6 مليار دولار ودائع لدى البنك المركزي؛ ثم 12.7 مليار دولار في الربع الثاني من 2026، بينها 3.35 مليار دولار ودائع على البنك المركزي؛ ثم 9.8 مليار دولار في الربع الثالث من العام نفسه، بينها 3.8 مليار دولار ودائع وعملات على البنك المركزي.
ورغم هذه الأعباء، ارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025، ليسجل 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر مقابل 161.23 مليار دولار في يونيو، بحسب بيانات البنك الدولي.
اللافت أن ديون الحكومة نفسها انخفضت بنحو 1.3 مليار دولار إلى 80.76 مليار دولار في سبتمبر مقابل 81.99 مليار دولار في يونيو، وانخفضت قروض البنك المركزي إلى 37.3 مليار دولار مقابل 37.33 مليار دولار.
لكن ديون البنوك قفزت بنحو 1.3 مليار دولار لتصل إلى 23.56 مليار دولار في سبتمبر مقابل 22.24 مليار دولار في يونيو، كما ارتفعت ديون «القطاعات الأخرى» بنحو 2.43 مليار دولار إلى 22.09 مليار دولار مقابل 19.66 مليار دولار.
الخبير الاقتصادي د. إبراهيم نوار يرى أن هذه التركيبة تكشف تحوّل عبء الدين تدريجيًا من الحكومة المركزية إلى البنوك والقطاع الخاص الأوسع، ما يعني «تعميم المخاطر على الاقتصاد كله، بدل تركّزها في موازنة الدولة فقط».
ويضيف أن أرقام مثل 50.8 مليار دولار استحقاقات في أقل من عام و163.7 مليار دولار إجمالي دين خارجي «تضع البلاد على حافة عدم الاستدامة»، خاصة في ظل ضعف موارد النقد الأجنبي وتآكل الاحتياطيات نتيجة الدفاع عن استقرار شكلي لسعر الصرف.
في الخلفية، يحاول النظام الترويج لمساعدات مثل حزمة الاتحاد الأوروبي البالغة 1 مليار يورو بوصفها شهادة ثقة جديدة، لكن د. سلمى حسين (باحثة اقتصادية متخصصة في المالية العامة) تؤكد أن «هذه المليارات لا تغيّر المعادلة ما دامت تُستهلك في سد فجوات تمويل قصيرة الأجل بدل أن تُستثمر في تغيير هيكل الاقتصاد نفسه»، معتبرة أن الاعتماد على المنح والقروض أشبه «بمسكن قوي يخفي الألم ولا يعالج المرض».
خفض الفائدة في ديسمبر.. استراحة محارب أم محاولة يائسة لتهدئة المؤشرات؟
قرار لجنة السياسة النقدية في ديسمبر بخفض أسعار الفائدة الأساسية 100 نقطة أساس إلى 20.00% للإيداع، و21.00% للإقراض، و20.50% للعملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم، قُدِّم رسميًا باعتباره انعكاسًا لتراجع نسبي في معدلات التضخم.
لكن د. أحمد السيد النجار يرى أن هذا الخفض «تحرك سياسي بقدر ما هو اقتصادي»، يهدف إلى إرسال إشارة للمستثمرين بأن الدورة التشددية أوشكت على نهايتها، وربما تمهيدًا لاتفاقات تمويل جديدة مع صندوق النقد أو شركاء إقليميين.
من جانبه، يحذر د. عمرو عادلي من أن خفض الفائدة في اقتصاد يعاني تضخمًا متراكمًا وديونًا خارجية ثقيلة قد يدفع رؤوس الأموال الساخنة إلى الخروج إذا اقترن بأي مرونة حقيقية في سعر الصرف، ما يضع ضغوطًا إضافية على الجنيه.
في المقابل، يبقى المستثمر المحلي محاصرًا بين تكلفة اقتراض مرتفعة وبيئة طلب ضعيفة، فيما تستمر الدولة في منافسته عبر الاقتراض الداخلي لتمويل عجز موازنة لا تهدأ.
أما د. إبراهيم نوار فيرى أن الربط بين أذون الخزانة الدولارية وخفض الفائدة المحلية يكشف عن «استراتيجية واحدة: إدارة الأرقام والجدولة حسابيًا، لا سياسيًا أو تنمويًا».
فبدل أن تبحث الحكومة عن طرق جادة لتقليص الواردات غير الضرورية، أو وقف نزيف المشروعات العقارية الضخمة، أو إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام، تفضّل السير في طريق أسهل على الورق: أذون جديدة، قروض جديدة، اتفاقات جديدة، مع ترك فاتورة السداد للأعوام المقبلة.
وتختتم د. سلمى حسين الصورة بعبارة صادمة: «نحن أمام اقتصاد يعيش على إعادة تدوير الدين: نستدين اليوم لسداد ما استدنّاه أمس، ونعلن عن حزم دعم بـ 1 مليار يورو من هنا وطرح أذون بـ 950 مليون دولار من هناك، بينما لا يسأل أحد: ماذا سنفعل عندما يجف هذا النبع، أو عندما يقرر الدائنون تغيير قواعد اللعبة؟».
في ظل أرقام مثل 50.8 مليار دولار استحقاقات في أقل من عام وديون خارجية بلغت 163.7 مليار دولار، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف سنسدّد غدًا، بل: متى سيتوقف النظام عن الهروب إلى الأمام على حساب أجيال لم تولد بعد؟

