فتح الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، النار – بشكل غير مباشر – على الطريقة التي تتباهى بها الحكومة بالمؤشرات الاقتصادية الكلية، دون أن تلتفت إلى حياة الناس على الأرض.
محيي الدين قال بوضوح إن ما تقيسه الحكومة من معدل نمو، واحتياطي نقد أجنبي، وعجز موازنة، وتدفقات استثمارية، يحتاج إلى منظومة أخرى من المؤشرات تقيس الفقر، وتوزيع الدخل، ومدى رضا المواطن عن مستوى معيشته. وأضاف في تصريح لافت أن صندوق النقد والبنك الدولي "لا يريان المواطن"، قبل أن يطرح السؤال الأخطر: "ماذا بعد برنامج الصندوق؟"
هذا الكلام، الصادر عن مسؤول أممي رفيع ووزير استثمار مصري سابق، ليس مجرد ملاحظة فنية، بل إدانة ضمنية لنموذج اقتصادي اختزل الأزمة في «اتفاق مع صندوق النقد» وتجميل أرقام الماكرو، بينما الغالبية تعيش تحت ضغط غير مسبوق من الغلاء، وتآكل الدخول، وغياب الأمان الاجتماعي.
أرقام تلمع في تقارير الحكومة والصندوق.. ومواطن لا يجد صدى لها في جيبه
لسنوات، تكرر الحكومة خطابًا ثابتًا: الاقتصاد ينمو، الاحتياطي يتحسن، العجز يتراجع، والاستثمارات تتدفق. لكن محمود محيي الدين يذكّر صانع القرار بأن هذه الأرقام وحدها لا تعني شيئًا للمواطن إذا لم تُترجم إلى تحسن في مستوى المعيشة، وتراجع في معدلات الفقر، وتحسن في جودة الخدمات الأساسية.
المؤشرات الكلية يمكن أن تبدو جميلة في عروض «باوربوينت» أمام صندوق النقد والبنك الدولي: نمو بنسبة كذا، عجز أولي في حدود كذا، احتياطي يلامس رقمًا معينًا. لكن ما لا تقيسه هذه المؤشرات – كما يشير محيي الدين – هو: كم أسرة تسقط كل شهر تحت خط الفقر؟ كم مواطنًا لم يعد قادرًا على دفع إيجار بيته أو فاتورة علاجه أو مصروفات تعليم أولاده؟ كيف توزَّع ثمار النمو إن وُجدت، ومن يستفيد ومن يُستنزف؟
حين يقول مبعوث الأمم المتحدة إن هناك حاجة إلى مؤشرات لقياس الفقر وتوزيع الدخل ورضا المواطن، فهو عمليًّا يطعن في كفاية المنظور الرسمي الذي يختصر «نجاح البرنامج» في رضا الدائنين والمؤسسات الدولية، لا في رضا أصحاب البلد. المواطن يسمع عن نمو وعن مشروعات كبرى، لكنه في حياته اليومية لا يرى إلا ارتفاع الأسعار، وضغط الضرائب، وتآكل قيمة الجنيه، وتراجع مستوى الخدمات. هنا بالضبط يتسع الفارق بين اقتصاد على الورق، واقتصاد في الشارع.
صندوق النقد والبنك الدولي «لا يريان المواطن».. وبرنامج بلا رؤية لما بعده
جملة محمود محيي الدين عن أن صندوق النقد والبنك الدولي لا يريان المواطن هي واحدة من أكثر العبارات صراحة في نقد النموذج القائم. صندوق النقد يهمه توازنات كبرى: عجز موازنة أقل، دعم أقل، ضرائب أكثر، أسعار فائدة مرتفعة تجذب الأموال الساخنة، تعويم للعملة، وخصخصة لأصول الدولة. البنك الدولي يركّز على مشروعات وقروض «تنموية» بشروط وتوجهات معروفة.
لكن السؤال الذي يطرحه مبعوث الأمم المتحدة – "ماذا بعد برنامج الصندوق؟" – يكشف فراغًا كبيرًا في خطاب الحكومة: ما هو تصوّرها لاقتصاد منتج لا يعيش على الديون وبيع الأصول؟ كيف ستُبنى سوق عمل تخلق وظائف حقيقية لا مجرد فرص مؤقتة في مشروعات إنشائية؟ أين خطة إصلاح التعليم والصحة والنقل، باعتبارها أساس أي تنمية بشرية؟
برنامج صندوق النقد – كما تنفذه السلطة الحالية – صار غاية في ذاته: الهدف أن نوقّع، وأن نأخذ الشريحة التالية من القرض، وأن يحصل المسؤولون على شهادة «حسن سير وسلوك» من البعثة، حتى لو كان ثمن ذلك مزيدًا من الضغط الضريبي، ورفعًا للأسعار، وبيعًا لأصول الدولة الاستراتيجية. محمود محيي الدين يلمّح إلى أن هذا التفكير قصير المدى وخطر؛ فالبرنامج مؤقت، لكن آثار السياسات التي تُتخذ باسمه ستبقى لعقود.
الأخطر أن الحديث عن «ما بعد البرنامج» يكاد يكون غائبًا تمامًا من الخطاب الرسمي. لا أحد يجيب بوضوح: هل سنظل ندور في حلقة مفرغة من برامج صندوق تلو الآخر؟ هل لدينا رؤية وطنية مستقلة تقول بوضوح ما نريده من الاقتصاد، بعيدًا عن جداول الصندوق واشتراطاته؟
من قياس الفقر والرضا الشعبي إلى إعادة تعريف معنى النجاح الاقتصادي
جوهر ما يدعو إليه مبعوث الأمم المتحدة هو تغيير معيار الحكم على «نجاح» السياسات الاقتصادية. النجاح لا ينبغي أن يُقاس فقط بنمو الناتج المحلي أو حجم الاحتياطي، بل بمدى تراجع الفقر، وتحسن توزيع الدخل، وارتفاع مستوى رضا المواطنين عن حياتهم اليومية.
إذا صعد الناتج المحلي لكن الفقراء ازدادوا، والطبقة الوسطى تهشمت، وعدد من يستطيعون توفير احتياجاتهم الأساسية انخفض، فحينها نحن أمام نمو بلا عدالة، و«إصلاح» يزيد الأغنياء غنى ويزيد الفقراء فقرًا.
وإذا تكدّس الاحتياطي الأجنبي في البنك المركزي بينما الناس تعجز عن شراء الدواء أو اللحوم أو دفع أقساط السكن، فإن الأرقام تصبح مجرد ديكور لواجهة هشة.
وإذا أشاد صندوق النقد والبنك الدولي بالتقدم في «الإصلاحات الهيكلية» بينما المواطن لا يرى إلا ضرائب ورسومًا ورفع أسعار وخدمات تتدهور، فهنا تكون الفجوة بين خطاب السلطة وتجربة الشعب قد وصلت إلى مستوى خطير.
حديث محمود محيي الدين عن «مدى رضا المواطن عن مستوى معيشته» ليس ترفًا؛ فالمجتمعات لا تُحكم بالأرقام فقط بل بالانطباع العام، بالشعور بالعدل أو الظلم، بالأمل أو اليأس. مجتمع يشعر أفراده بأنهم يدفعون الثمن وحدهم بينما تتحدث الحكومة عن «إنجازات» لا يلمسونها، هو مجتمع تُزرَع فيه بذور الغضب ورفض المنظومة كلها.
في النهاية، الرسالة التي يبعث بها مبعوث الأمم المتحدة من قلب المطبخ الاقتصادي العالمي إلى حكومة تتباهى باتفاقاتها مع الصندوق والبنك واضحة:
لن تُقاس نجاحاتكم بما تقولونه في المؤتمرات ولا بما تكتبونه في تقارير رسمية، بل بما يشعر به الناس في جيوبهم وبيوتهم وموائدهم.
إن لم تُوضع مؤشرات الفقر وتوزيع الدخل ورضا المواطن في قلب أي سياسة اقتصادية، فكل ما عدا ذلك مجرد أرقام على ورق، يمكن أن تنهار في أول اختبار حقيقي، حين تكتشف السلطة أن الصندوق والبنك الدولي قد يكونان راضيين… لكن الشعب نفسه لم يعد يحتمل.

