في توقيت بالغ الدلالة، وقبل يوم واحد فقط من الموعد المعلن لفتح معبر رفح البري، عادت إسرائيل لتصعيد عملياتها العسكرية في قطاع غزة، عبر سلسلة غارات دامية أسفرت عن استشهاد أكثر من 30 فلسطينياً، معظمهم من المدنيين، في مشهد أعاد إلى الواجهة تساؤلات عميقة حول جدية الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، ومستقبل المرحلة الثانية منه، وما إذا كانت إسرائيل تتعمد تفريغه من مضمونه السياسي والإنساني.
التصعيد الإسرائيلي الأخير جاء بينما كانت الولايات المتحدة تتحدث علناً عن مواصلة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، وهو ما بدا متناقضاً مع الواقع الميداني الذي تشهده غزة، حيث لا تزال آلة القتل تعمل بوتيرة مرتفعة، وتحول دون عودة أي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية إلى القطاع المحاصر.
قصف قبل فتح المعبر
ففي يوم السبت، وقبل ساعات من فتح معبر رفح بشكل تجريبي، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية عنيفة استهدفت مناطق متفرقة من قطاع غزة، من بينها مركز شرطة في حي الشيخ رضوان شمالي القطاع، إضافة إلى خيام للنازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوباً. وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط أكثر من 30 شهيداً، في حين بررت إسرائيل القصف بأنه استهدف مقاتلين تابعين لحركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي.
وكما جرت العادة، قوبلت هذه الرواية الإسرائيلية بتفهم أميركي، إذ قال المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، توماس واريك، إن الهجوم ربما استهدف “أهدافاً عسكرية محددة سلفاً”، معتبراً أن الاتفاق يمنح إسرائيل الحق في ضرب أي هدف تعتبره تهديداً لقواتها داخل القطاع.
وأوضح واريك، في تصريحات إعلامية، أن واشنطن قبلت بالأدلة التي قدمتها إسرائيل لتبرير هذا الهجوم، في مؤشر جديد على استمرار الغطاء السياسي الأميركي للعمليات العسكرية الإسرائيلية، حتى في ظل اتفاق تهدئة معلن.
منع عودة الحياة إلى غزة
في المقابل، رفض محللون وخبراء هذا الطرح الأميركي، معتبرين أن التصعيد الإسرائيلي الأخير لا يمكن فصله عن هدف أوسع يتمثل في منع عودة الحياة إلى قطاع غزة، وإبقاء الوضع الإنساني في حالة انهيار دائم.
الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمود يزبك أكد أن الهدف الأساسي من هذا التصعيد هو إعادة إشعال أي منطقة تشهد هدوءاً نسبياً، ومنع الفلسطينيين من الإحساس بأن مرحلة جديدة قد بدأت. واعتبر أن استهداف المدنيين والبنية الإدارية للقطاع رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل لن تسمح بعودة الحياة الطبيعية إلى غزة تحت أي ظرف.
وأشار يزبك إلى أن تصريحات رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، تمحورت بشكل واضح حول ضرورة عدم السماح لغزة بالتعافي، بل وذهب أبعد من ذلك حين تحدث علناً عن منع إدخال المساعدات الغذائية، في عودة صريحة إلى سياسة التجويع، بالتوازي مع الحديث الأميركي عن تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
وبرأي يزبك، فإن عودة الحياة إلى غزة تعني عملياً فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهداف الحرب التي خاضها على مدار عامين كاملين، وهو ما يدفع إسرائيل إلى تصعيد عملياتها العسكرية وقتل المزيد من الفلسطينيين، خصوصاً مع اقتراب دخول لجنة التكنوقراط المعنية بإدارة شؤون القطاع.
إفشال لجنة التكنوقراط قبل أن تبدأ
هذا التحليل يتقاطع مع ما ذهب إليه الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني إياد القرا، الذي اعتبر أن قتل هذا العدد الكبير من المدنيين قبل ساعات من فتح معبر رفح ودخول لجنة التكنوقراط، يحمل رسالة واضحة بأن هذه اللجنة “لن يكون مسموحاً لها بالعمل”.
وأوضح القرا أن إسرائيل تسعى بشكل ممنهج إلى إفشال مهمة لجنة التكنوقراط حتى قبل أن تبدأ، وهو ما كان حاضراً بقوة في التصريحات الإسرائيلية العلنية التي دعت إلى منع أي محاولة لتعافي الفلسطينيين من آثار الحرب.
وأضاف أن استهداف مراكز الشرطة والمرور والمحاكم يعني عملياً تدمير أي بنية مؤسسية يمكن للجنة التكنوقراط الاعتماد عليها لتقديم الخدمات، مؤكداً أن إسرائيل تريد فرض واقع يقول إن الأمور لن تسير إلا وفق رؤيتها هي.
وحذر القرا من أن هذا النهج قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق برمته، عبر تفريغ المرحلة الثانية من مضمونها، من خلال الإبقاء على القوات الإسرائيلية داخل القطاع، والتحكم في معبر رفح، ومنع إدخال كل ما من شأنه تحسين الواقع الإنساني والصحي والتعليمي.
تهجير قسري وفوضى مقصودة
من جانبه، رأى الخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري أن إسرائيل تتعمد تفجير كل خطوة من خطوات الاتفاق، معتبراً أن التصعيد الدموي الأخير يهدف إلى إعادة طرح خطة التهجير القسري للسكان، إلى جانب الإبقاء على حالة فوضى شاملة تُستخدم كأداة لتدمير حياة الفلسطينيين.
وأوضح الزويري أن احتلال إسرائيل لأكثر من نصف مساحة القطاع، وتمتعها بحرية القصف متى شاءت، وبتفهم أميركي واضح، يجعلها قادرة على منع لجنة التكنوقراط التي شُكّلت برعاية أميركية من القيام بمهامها.
وبحسب الزويري، فإن ما يجري هو “تهشيم ممنهج” للاتفاق عبر الإبقاء على ظروف معيشية لا يمكن احتمالها، وهو ما دفع الأوروبيين إلى الانسحاب من لجنة المراقبة على حدود غزة، بعد عجزهم عن معرفة حقيقة ما يجري على الأرض رغم امتلاكهم عدة أجهزة استخباراتية.
معبر رفح… أمل معلق وغموض متواصل
في خضم هذا المشهد المعقد، يظل معبر رفح عنواناً مركزياً للأمل الفلسطيني، لكنه محاط بحالة كبيرة من الغموض. فقد قال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن الجهات المختصة تراقب عن كثب ما يجري في المعبر، الذي بدأ تشغيله بشكل تجريبي محدود بحضور ممثلين عن الاتحاد الأوروبي ومصر.
وأوضح الثوابتة أن من المفترض أن يُفتح المعبر بشكل اعتيادي، بما يسمح بدخول الفلسطينيين إلى القطاع، مشيراً إلى أن أكثر من 80 ألف فلسطيني يرغبون بالعودة إلى غزة، إضافة إلى أكثر من 22 ألف جريح ومريض بحاجة ماسة للعلاج في الخارج، وعشرات الآلاف من الطلاب، فضلاً عن آلاف الأسر التي تحتاج إلى لمّ شمل.
وأشار إلى وجود ضبابية بشأن آلية العمل في المعبر، مؤكداً أن الجانب الفلسطيني طالب بفتحه بشكل عاجل أولاً، ثم مناقشة آلية السفر لاحقاً، مع التشديد على أن مصر ستكون الطرف الأساسي المشرف على حركة العبور من الجهة الأخرى.
وفيما نفت الجهات الفلسطينية صحة ما تروّجه إسرائيل عن تحديد أعداد الداخلين والخارجين، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن العدد المسموح له بالعبور قد لا يتجاوز 150 شخصاً، في خطوة اعتبرها محللون محاولة جديدة لفرض السيطرة الإسرائيلية على المعبر.

