أثار قرار مجلس الشيوخ المصري برفع حد الإعفاء من الضريبة العقارية على السكن الخاص من مليوني جنيه إلى ما يعادل 8 ملايين جنيه موجة غضب ونقاش حاد في الشارع وبين خبراء الاقتصاد، ليس لأنه يراعي التضخم فقط، بل لأنه يتجاوز حتى المقترح الحكومي الأكثر “اعتدالًا” الذي كان يقف عند 4 ملايين جنيه. الحكومة نفسها قالت إن رفع الإعفاء إلى 4 ملايين سيعفي حوالي 43 مليون وحدة من أصل 45 مليون وحدة، ويُبقي الضريبة على نحو مليوني وحدة فقط من الأعلى قيمة في السوق. فما الذي يدفع مجلس الشيوخ لمضاعفة الإعفاء مرة أخرى إلى 8 ملايين، في اقتصاد منهك بالعجز والدَّين وضرائب غير مباشرة تشتعل على كل سلعة وخدمة تقريبًا؟
التحرك يُسوَّق رسميًا على أنه “حماية للطبقة المتوسطة” ومواءمة مع انفجار الأسعار في سوق العقارات، لكن القراءة المتأنية للأرقام وسياق السياسة الضريبية في مصر تكشف صورة مختلفة: نظام يرفض أن يلمس الثروة العقارية الجادة، بينما يضغط بكل قوته على جيوب المستهلكين والفقراء عبر الضرائب غير المباشرة والرسوم والزيادات المتتالية في أسعار الخدمات.
من 2008 إلى 2026: التضخم حقيقي.. لكن من المستفيد من قفزة الإعفاء؟
عندما صدر قانون الضريبة العقارية عام 2008، كان حد الإعفاء مليوني جنيه، في وقت كان فيه الدولار يدور حول 5.5–5.7 جنيه، أي أن هذا السقف كان يساوي تقريبًا 350 ألف دولار، وهو مستوى يعكس وقتها حدًّا مرتفعًا نسبيًا للسكن “الملائم” لا للفيلات الفاخرة. مع انهيار الجنيه وقفزات التضخم العقاري، تآكلت القيمة الحقيقية لهذا الرقم، وأصبحت شقة متوسطة المساحة في كثير من المدن الكبرى تقترب أو تتجاوز هذا السقف، ما جعل تعديل القانون ضرورة موضوعية.
الحكومة التقطت هذه النقطة واقترحت رفع حد الإعفاء إلى ما يعادل 4 ملايين جنيه (50 ألف جنيه قيمة إيجارية سنوية)، وهو ما أكد وزير المالية أنه سيؤدي إلى إعفاء نحو 43 مليون وحدة وترك حوالي مليوني وحدة فقط تحت مظلة الضريبة. هذا في حد ذاته كان كافيًا لاعتبار الضريبة العقارية “لطيفة للغاية” مع غالبية الملاك، ومركّزة فقط على الشريحة الأعلى ثراءً.
لكن مجلس الشيوخ قرر الذهاب إلى أقصى مدى، ورفع سقف الإعفاء إلى 100 ألف جنيه قيمة إيجارية، أي ما يعادل تقريبًا وحدة تقدر بنحو 8 ملايين جنيه كسعر سوقي، رافضًا حتى مقترح الحكومة نفسها. تقارير صحفية نقلت عن نواب بارزين – مثل حسام الخولي وأحمد أبو هشيمة – أن المجلس “أصر” على هذا الحد بحجة حماية الطبقة المتوسطة، رغم اعترافهم بأن الحكومة كانت تميل إلى 4 ملايين فقط.
السؤال البديهي هنا: هل شقة أو فيلا قيمتها 7 أو 8 ملايين جنيه ما زالت تعبيرًا عن “الحد الأدنى للسكن الملائم للأسرة”؟ أم أننا نتحدث عن مستوى ثروة عقارية صارخة، تُمنح عمليًا حصانة من أي مساهمة في عبء الخزانة العامة؟
ضريبة كان يمكن أن تكون أداة عدالة اجتماعية.. فتم تفريغها لصالح أصحاب الثروة
الضريبة العقارية في أي اقتصاد عاقل تُستخدم كأداة رئيسية لفرض قدر من العدالة: سكن أساسي معفي أو شبه معفي، ثم تصاعد في الأعباء مع ارتفاع عدد الوحدات أو قيمتها، بحيث يتحمل أصحاب العقارات الفاخرة والمضاعفة جزءًا أكبر من تكلفة الخدمات العامة التي يستفيدون منها.
حتى قبل التعديل الأخير، كانت هناك انتقادات معتبرة بأن إعفاء الوحدات حتى 2 مليون جنيه في مصر – في ظل التفاوت الطبقي الحاد – يجعل الضريبة ضعيفة جدًا كأداة لإعادة توزيع الثروة. ورقة سياسات صادرة عن مبادرة “حلول للسياسات البديلة” بالجامعة الأمريكية في القاهرة ناقشت بالفعل أن الإعفاء عند 2 مليون أصبح منخفضًا نسبيًا بسبب التضخم، لكن الحل المقترح لم يكن رفع الإعفاء العشوائي إلى مستويات فلكية، بل إعادة تصميم الضريبة كـ“ضريبة على العقار الفاخر” تصاعدية، تستهدف بالأساس الشريحة العليا من ملاك العقارات متعددة الوحدات والفيلات الفاخرة.
ما فعله مجلس الشيوخ هو العكس تقريبًا: بدلًا من الانتقال من ضريبة رجعية تعتمد على الاستهلاك والسلع إلى منظومة أكثر تقدمية تستهدف الثروة العقارية الكبيرة، تم توسيع مظلة الإعفاء بحيث يخرج من تحتها معظم ما يمكن اعتباره “ثروة عقارية جادة”. إذا كانت 4 ملايين جنيه ستُبقي نحو مليوني وحدة فقط تحت الضريبة، فرفع السقف إلى 8 ملايين يعني عمليًا تقليص هذا العدد بشدة لصالح شريحة أضيق من ملاك العقارات الفاخرة جدًا، في بلد تحتاج موازنته لكل جنيه يتجنب الدَّين الجديد.
المفارقة أن الحكومة تستهدف – وفق تقارير اقتصادية – زيادة حصيلة الضريبة العقارية إلى نحو 29 مليار جنيه في موازنة مقبلة، ارتفاعًا من 18 مليارًا حاليًا، في محاولة لسد جزء بسيط من فجوة العجز. كيف ستتحقق هذه القفزة بينما نعفي شريحة أوسع من المساكن مرتفعة القيمة؟ الإجابة المنطقية: سيتم تعويض ذلك من جيوب أخرى، غالبًا عبر مزيد من الضرائب غير المباشرة والرسوم على الخدمات، أي من الطبقات ذاتها التي يُقال إن القانون جاء لحمايتها.
من يدفع الفاتورة فعلًا؟ شقق الفقراء تحت مطرقة الضرائب.. وقصور الأغنياء خارج المعادلة
قرار مثل إعفاء مساكن حتى 8 ملايين جنيه لا يمكن فصله عن الصورة الأوسع للسياسة الضريبية في مصر:
• ضريبة قيمة مضافة مرتفعة نسبيًا تثقل استهلاك الفقراء والطبقة المتوسطة.
• رسوم متزايدة على الخدمات، من الكهرباء والغاز وحتى الاتصالات والمرور.
• ضرائب ورسوم متتالية على تحويلات، ومعاملات بنكية، ورسوم استيراد، وجمارك ترفع أسعار كل شيء من الطعام حتى الهواتف المحمولة.
في المقابل، ملف الضرائب على الثروة – سواء كانت عقارات فاخرة، أو أرباح رأسمالية في البورصة، أو أنشطة ريعية ضخمة – يبقى الأكثر حساسية سياسيًا والأقل جرأة تشريعية. لذلك يبدو قرار مجلس الشيوخ رسالة واضحة: لن نقترب جديًا من ملاك العقارات ذات القيمة العالية، بل سنقدم لهم مظلة أوسع للإعفاء، بينما تستمر الدولة في ملاحقة الفاتورة من جيوب أوسع قاعدة من المواطنين عبر ضرائب غير مباشرة لا تفرّق بين غني وفقير.
الخلاصة أن تعديل الضريبة العقارية بهذا الشكل لا يُقرأ كـ“انتصار للطبقة المتوسطة” كما يُروّج له، بل كخطوة جديدة في تكريس نظام ضريبي يميل لحماية الثروة العقارية الكبيرة، ويحمّل كلفة الأزمة الاقتصادية لمن لا يملكون سوى شقة واحدة متواضعة يتحملون عنها كل زيادة في الأسعار والضرائب غير المباشرة.
بدلًا من أن تتحول الضريبة العقارية إلى أداة حقيقية للعدالة – بإعفاء سكن واحد متواضع، وفرض ضريبة تصاعدية على من يملك أكثر وأكثر وبقيم أعلى – تم إفراغها من مضمونها لصالح قلة، في لحظة يعاني فيها الاقتصاد من عجز تاريخي وديون خانقة، ويُطلب من المواطنين شد الحزام حتى آخر ثقب.

