تشهد سوق الهواتف المحمولة في مصر موجة جديدة من الارتفاعات الحادة، بعد إعلان شعبة تجار المحمول في غرفة الجيزة التجارية عن زيادات في أسعار الهواتف المجمعة محليًا تتراوح بين 5 و20%، بالتوازي مع إصرار الحكومة على الإبقاء على ضريبة الهواتف الواردة من الخارج التي تصل برسومها المختلفة إلى نحو 38–38.5% من قيمة الجهاز.

 

الإعلامية ياسمين عز قالت في برنامجها "كلام الناس" على قناة MBC مصر إن ما كانت تحذّر منه حدث بالفعل: أسعار الموبايلات المحلية قفزت بنحو 20% فور إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف التي يحملها القادمون من الخارج، مشيرة إلى أن بعض موديلات أوبو وريلمي ارتفعت ما بين 15 و20% اعتمادًا على بيانات شعبة المحمول نفسها.

 

في المقابل، يواجه السوق حالة ركود حادة وضعفًا في القدرة الشرائية، ما يجعل هذه الزيادات ليست مجرد أرقام على الورق، بل عبئًا مباشرًا على المستهلك الذي أصبح محاصرًا بين هواتف محلية باهظة، وهواتف مستوردة مثقلة برسوم وضريبة تتجاوز ثلث قيمة الجهاز.

 

قرارات ضريبية تشعل الأسعار وتخنق المنافسة

 

يؤكد محمد هداية الحداد، رئيس شعبة تجار المحمول بغرفة الجيزة التجارية، أن الزيادات الأخيرة جاءت في وقت يعاني فيه السوق أصلًا من "ركود شديد" وتراجع واضح في المبيعات، موضحًا أن شركات كبرى مثل أوبو رفعت أسعار ثلاثة موديلات بنسب بين 12 و18%، بينما زادت هونر أسعار أجهزة التابلت بنسب وصلت إلى 20%، مع إخطارات من شركات أخرى بزيادات مرتقبة خلال الأيام المقبلة.

 

الحداد حذّر في تصريحات أخرى من مفارقة لافتة: بعض الأجهزة المجمعة في مصر تُباع في دول عربية بأسعار أقل من سعرها داخل السوق المحلي، رغم حصول المصانع العاملة في مصر على إعفاءات وامتيازات كبيرة، مطالبًا برقابة حقيقية على الشركات لضمان تسعير عادل وعدم استغلال القرارات الحكومية لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.

 

من جانبه، يرى محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، أن جزءًا من الزيادات مرتبط أيضًا بعوامل عالمية، مثل نقص الرقائق الإلكترونية وارتفاع أسعار مكوّنات أساسية كالـRAM، وهو ما دفع بعض الشركات إلى تطبيق زيادات تتراوح بين 5 و10% مع بداية 2026، مع توقعات بمزيد من الضغوط إذا استمرت أزمة سلاسل التوريد العالمية.

 

لكن رغم هذه المبررات، تبقى السياسة الضريبية المحلية هي العامل الأثقل. فبحسب تقديرات شعبة الاقتصاد الرقمي، تتجاوز الرسوم المفروضة على الهواتف المحمولة المستوردة حاليًا 38% من سعر الجهاز، موزعة بين ضريبة قيمة مضافة ورسوم جمركية ورسوم تنمية ورسوم لصالح جهاز تنظيم الاتصالات، ما يرفع السعر النهائي للمستهلك إلى مستويات غير تنافسية مقارنة بأسواق الجوار.

 

رئيس مصلحة الجمارك أحمد أموي أكد من جانبه أن قرار إنهاء الإعفاء الاستثنائي عن الهواتف الواردة مع الركاب نهائي، وأن أي هاتف وارد من الخارج بات خاضعًا لضريبة تصل إلى 38%، وأن الهدف هو "تنظيم السوق ومكافحة التهريب". لكن النتيجة الفعلية على الأرض هي أن المستهلك أصبح يدفع ثمن هذا التنظيم من جيبه مباشرة، في ظل غياب بدائل حقيقية أو منافسة كافية تكبح جماح الأسعار.

 

خبراء المحمول: ضريبة 38% تحمي كبار الموزعين وتدفع المستهلك إلى السوق الموازية

 

على الجانب الآخر من المشهد، يقدّم خبراء السوق قراءة أكثر حدة لآثار هذه السياسات. المهندس كريم غنيم، رئيس شعبة الاقتصاد الرقمي في غرفة القاهرة التجارية، يوضح أن الرسوم الحالية على الهواتف – التي تتجاوز 38% – صُممت بدعوى دعم التصنيع المحلي ومكافحة التهريب، لكنها عمليًا رفعت التكلفة على المستخدمين دون أن تحقق نقلة حقيقية في الصناعة.

 

غنيم يشير إلى أن ما يُقدَّم اليوم على أنه "صناعة محلية" هو في أغلبه تجميع وليس تصنيعًا كاملاً، ومع ذلك تُسعَّر الأجهزة المجمعة محليًا بسعر أعلى من مثيلاتها في أسواق خارجية، رغم امتيازات وإعفاءات تحصل عليها هذه المصانع، وهو ما يجعل المستهلك يدفع ثمن دعم هذه الصناعة من جيبه دون الحصول على ميزة سعرية حقيقية.

 

ويساند هذا الطرح ما قاله نائب رئيس شعبة المحمول المهندس وليد رمضان، الذي ضرب مثالًا بهاتف مُجمَّع في مصر يُباع محليًا بسعر يقترب من 8600 جنيه، بينما يُباع في السعودية بحوالي 6250 جنيهًا لنفس الموديل، رغم أن ضريبة القيمة المضافة في السعودية 15% مقابل 14% في مصر، ما يعني أن المشكلة ليست في الضرائب وحدها بل في طريقة التسعير وهوامش الربح داخل السوق المصري.

 

تحذيرات غنيم ورمضان تذهب في اتجاه واحد: استمرار الرسوم المرتفعة مع غياب رقابة حقيقية على التسعير، سيؤديان إلى انكماش أكبر في السوق، ويدفعان شرائح واسعة من المستهلكين إما إلى تأجيل الشراء، أو الاتجاه إلى السوق غير الرسمية والهواتف المهربة أو المقلدة، بما يحرم الدولة من حصيلتها الضريبية ويعرّض المستخدمين لمخاطر جودة وخدمة ما بعد البيع.

 

في ظل هذا المشهد، يصبح مستقبل سوق الهواتف المحمولة في مصر معلَّقًا على إعادة النظر في المنظومة الضريبية والجمركية، وفتح المجال لمنافسة حقيقية تفرض على الشركات – المحلية والعالمية – تسعيرًا أكثر عدلًا وشفافية. فالهاتف لم يعد سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، بل أداة أساسية للعمل والتعليم والتواصل، وأي سياسة تتعامل معه كـ"بقرة حلوب للضرائب" ستنتهي بمحاصرة الطبقة المتوسطة والفقيرة، وإضعاف واحد من أهم أسواق الإلكترونيات في المنطقة بدلًا من تعزيزه.