يتواصل تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان بوتيرة متسارعة مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، عامها الرابع، في وقت تكشف فيه الأمم المتحدة عن أرقام صادمة بشأن النزوح الداخلي، وتفرض فيه أوروبا عقوبات جديدة على أطراف الصراع، بينما تتسع رقعة المواجهات إلى جبهات جديدة، مخلّفة مأساة إنسانية توصف بأنها من الأسوأ عالميا.
أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم
أعلنت الأمم المتحدة أن السودان يشهد حاليا أوسع أزمة نزوح داخلي على مستوى العالم، إذ أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) بأن نحو 9.5 ملايين شخص نزحوا داخل 18 ولاية سودانية خلال ثلاث سنوات من القتال.
وأكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان لا تزال معزولة بالكامل تقريبا، وسط وضع إنساني “حرج للغاية”، نتيجة انقطاع الطرق وصعوبة وصول المساعدات.
وتحذر المنظمات الأممية من أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا، حيث يواجه مئات الآلاف منهم سوء تغذية حادا وأمراضا مرتبطة بالنزوح وانهيار الخدمات الصحية، في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء.
كما انتقدت اليونيسيف ضعف الاهتمام الإعلامي الدولي بالأزمة السودانية مقارنة بأزمات أخرى حول العالم.
الفاشر وكردفان… نزوح تحت النار
أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 127 ألف شخص من مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها أواخر أكتوبر 2025، وسط تقارير عن مجازر بحق المدنيين وتحذيرات من تكريس انقسام جغرافي فعلي للبلاد.
وفي إقليم كردفان، ارتفع عدد النازحين خلال شهرين فقط إلى أكثر من 88 ألف شخص، نتيجة الاشتباكات العنيفة بين الجيش والدعم السريع.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن 62% من النازحين قدموا من شمال كردفان، و37% من جنوب كردفان، بينما كانت نسبة النزوح من غرب كردفان أقل من 1%.
ورغم هذه الأرقام، ذكرت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 3 ملايين سوداني عادوا إلى مناطقهم، في ظاهرة تعكس تعقيد المشهد الأمني، حيث تتداخل العودة الجزئية مع موجات نزوح جديدة بسبب تغير خطوط القتال.
“حتى النزوح لا يعني النجاة”
في منطقة أبو جبيهة بجنوب كردفان، تصل يوميا عشرات الأسر الهاربة من الدلنج وكادقلي بعد رحلات سير شاقة استمرت أسابيع. معظم الفارين من النساء والأطفال، وكثير منهم يعانون أمراضا وسوء تغذية حادا.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن بعض النازحين قضوا في الطريق بسبب الإرهاق والجوع، بينما تعيش أسر كاملة في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
وقد ناشدت مفوضية العون الإنساني المنظمات الدولية التدخل العاجل، مؤكدة أن الأعداد المتدفقة تفوق قدرتها على الاستجابة.
واستقبلت أبو جبيهة وحدها أكثر من 150 ألف نازح، جرى توزيع آلاف منهم على سبعة مخيمات، في حين لا يزال آلاف آخرون بلا مأوى دائم.
جبهات جديدة… النيل الأزرق على خط النار
دخلت ولاية النيل الأزرق دائرة المواجهات مجددا، في تطور اعتبره مراقبون محاولة لفتح جبهة جديدة قد تعيد رسم خريطة الصراع. وتتمتع الولاية بحساسية استراتيجية لوقوعها على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، ما يمنحها أهمية عسكرية وإقليمية.
ويرى خبراء عسكريون أن تحركات الدعم السريع وحلفائها تهدف إلى تشتيت قوات الجيش عن دارفور وكردفان، بينما أعلن الجيش تعزيز وجوده العسكري في المنطقة وتمكنه من صد هجمات متكررة.
ويمتد تأثير المعارك إلى ما وراء الحدود، إذ يحذر محللون من أن أي انخراط مباشر لدول الجوار قد يشعل توترات إقليمية أوسع، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية في جنوب السودان وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة.
عقوبات أوروبية ورسائل سياسية
على الصعيد الدولي، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس فرض حزمة عقوبات جديدة تستهدف عناصر في الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وقالت إن العقوبات لن تنهي الحرب بمفردها، لكنها سترفع كلفة استمرارها على المسؤولين عنها.
وتعكس الخطوة الأوروبية تصاعد القلق الدولي من استمرار القتال، في وقت تتعثر فيه الجهود الدبلوماسية لوقف إطلاق النار، وتتعاظم المخاوف من انهيار مؤسسات الدولة السودانية بشكل كامل.
اقتصاد هش وتحذيرات مالية
في تطور لافت، حذر بنك السودان المركزي من تطبيق مالي إلكتروني ظهر في مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع، مؤكدا أنه غير مرخص ويخالف قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأوضح البنك أن التعامل مع التطبيق لا يوفّر أي ضمانات لاسترداد الأموال في حال الاختراق أو الاحتيال، داعيا المواطنين إلى الامتناع عن استخدامه داخل السودان وخارجه، في مؤشر على تعمق الانقسام الاقتصادي والإداري بين مناطق السيطرة.
حرب مفتوحة ومأساة مستمرة
منذ أبريل 2023، تحولت المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حرب مفتوحة أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 إلى 14 مليون شخص، إضافة إلى مجاعة واسعة النطاق وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.
وتحذر منظمات الإغاثة من أن استمرار القتال سيقود إلى كارثة إنسانية أشد، مع تزايد خطر المجاعة وانتشار الأوبئة، في بلد يعاني أصلا هشاشة بنيوية وصراعات تاريخية متراكمة.

