أثارت مطالبة وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم، بتعويض مصر والسودان عن الأضرار المزعومة الناجمة عن سد النهضة، جدلاً في إثيوبيا، وسط احتدام الخلاف بين الجانبين حول السد الذي تخشى مصر من أن يؤثر على حصتها من مياه النيل.
واستند سويلم في المطالبة بالتعويض إلى أن مصر حُرمت من 38 مليار متر مكعب من حصتها التاريخية البالغة 55.5 مليار متر مكعب خلال فترة ملء السد، وأشار إلى التكاليف التي تكبدتها لإعادة تدوير المياه ومعالجتها اللازمة لمواجهة ندرة المياه.
"هورن ريفيو": إثيوبيا هي الطرف المتضرر
وردت مجلة "هورن ريفيو" قائلة: "إثيوبيا ليست هي من تدين بالتعويض، بل هي الطرف المتضرر الذي يستحق التعويض عن قرون من المساهمات غير المُعترف بها في تدفق النيل، والتحكم في الرواسب، واستدامته على المدى الطويل. وقد دعمت هذه الخدمات التنمية المصرية بينما تحملت إثيوبيا الأعباء البيئية والاقتصادية".
واستشهدت بادعاء إثيوبيا المضاد إلى علم المياه الرائد للسير هارولد إدوين هيرست، المهندس البريطاني الذي درس نهر النيل لأكثر من 60 تين عامًا، من عام 1906 إلى عام 1968، الذي دعا إلى إنشاء خزانات قادرة على الاحتفاظ بالمياه لسنوات عديدة.
وخلص تحليله الدقيق، الذي استند إلى سجلات فيضانات النيل على مدى أكثر من 800 عام، إلى أن أفضل مواقع التخزين تقع في الوديان العميقة للمرتفعات الإثيوبية، حيث تقلل درجات الحرارة المنخفضة والمساحات الضيقة من التبخر.
وقالت بيزاويت إيشيتو، الباحثة في مجلة "هورن ريفيو"، إن سد النهضة الإثيوبي يتماشى تمامًا مع هذه الرؤية، إذ يستغل منبع النيل الأزرق في مرتفعات إثيوبيا لإنشاء خزان على ارتفاع 640 مترًا فوق مستوى سطح البحر، وهو ما يتفوق بكثير على الخيارات المتاحة في المصب، ويستفيد هذا الموقع من الجغرافيا الطبيعية للحفاظ على المياه التي قد تُفقد لولا ذلك، مما يجعل مرتفعات إثيوبيا المنظم الطبيعي الأكثر فعالية للمياه في حوض النيل.
إعادة تدوير المياه
علاوة على ذلك، ردت على ادعاء مصر بمعاناتها من ضائقة اقتصادية بسبب جهودها في إعادة تدوير المياه، وأنها تعالج 23.2 مليار متر مكعب سنويًا، قائلة إن "هذه التكاليف ناتجة عن سياسات القاهرة الداخلية والضغوط السكانية".
واستشهدت بتقرير مبادرة حوض النيل الصادر عن البنك الدولي عام 2022، والذي أشار إلى أن ندرة المياه في مصر تتفاقم بسبب عدد سكانها الذي يتجاوز 110 ملايين نسمة، وقطاعها الزراعي الذي يستهلك 85 بالمائة من حصته من المياه عبر الري بالغمر القديم، والذي يهدر ما بين 30 و40 بالمائة بسبب أوجه القصور، وفقًا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).
وقالت الباحثة الإثيوبية إن تصميم سد النهضة لا يحول المياه بشكل دائم، بل يُولّد الطاقة الكهرومائية مع إدارة تدفق المياه مؤقتًا لإنتاج الكهرباء، كما ورد في تقرير فريق الخبراء الدولي لعام 2013. لم تسعَ إثيوبيا، التي تُساهم بنسبة ٨٦ بالمائة من مياه النيل عبر النيل الأزرق وفقًا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، إلى الحصول على تعويض عن هذه المساهمة الطبيعية.
ورأت أن المطالبة بتعويض عن أوجه القصور التي تسببت بها مصر بنفسها تتجاهل حقيقة أن الحفاظ على المياه في أعالي النهر قد أفاد تاريخيًا وفرة المياه في المصب، مما يضع إثيوبيا في موقع المستفيد غير المُعترف به في اقتصاد هيدرولوجي غير متوازن.
واعتبرت في المقابل أنه من المفارقات أن تنتقد مصر "العمل الأحادي" عند دراسة تاريخ السد العالي في أسوان، الذي شُيّد بين عامي 1960 و1970 دون موافقة دول المنبع.
إذ تُظهر السجلات الأرشيفية لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن مصر مضت قدمًا في المشروع على الرغم من احتجاجات إثيوبيا، مما أدى إلى غمر 500 كيلومتر من الأراضي السودانية وتشريد 50 ألف نوبي.
اتفاقية مياه النيل لعام 59
وأوضحت في سياق ردها أيضًا على مطالبة مصر بالحصول على تعويضات جراء الأضرار الناجمة عن بناء سد النهضة، أن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 مبلغ 55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان، مستبعدةً إثيوبيا تمامًا رغم دورها كمصدر رئيس للمياه.
إذ سمحت هذه المعاهدة، المتجذرة في تفاوتات الحقبة الاستعمارية، لمصر بالسيطرة على النهر، حيث حققت تغطية كهربائية بنسبة 99 بالمائة بحلول ثمانينيات القرن الماضي وفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، بينما لا تزال إثيوبيا لا تتجاوز نسبة وصولها إلى المياه 50 بالمائة حتى اليوم، وفق التقرير.
وقالت إن سد النهضة الإثيوبي، الذي شُيّد على الأراضي الإثيوبية دون التأثير على كميات المياه في المصب على المدى الطويل يعكس ما وصفته ب "الظلم التاريخي"، ويسعى في الوقت نفسه إلى تصحيحه، كاشفًا عن استخدام مصر الانتقائي للتعاون كوسيلة للحفاظ على هيمنتها المائية.
وينص بند "الضرر الجسيم" في إعلان المبادئ لعام 2015، الذي وقّعته مصر والسودان وإثيوبيا وفقًا لما أفاد به الاتحاد الأفريقي، على ضرورة التخفيف من الأضرار، ولكنه لا يسمح باستخدام حق النقض الأحادي. وقد تعاونت إثيوبيا من خلال تبادل البيانات وملء السد على مراحل، مما يضمن الحد الأدنى من الضرر. في المقابل، تستحق خدمات النظام البيئي غير المُعترف بها في إثيوبيا التقدير.
وخلصت إلى أنه في نهاية المطاف، يتجاوز موقف إثيوبيا المخاوف الجيوسياسية المباشرة، إذ تدعو إلى نظام يُعترف فيه بدور إدارة موارد المياه في أعالي النهر ويُكافأ عليه بدلاً من معاقبته.
ومن خلال تطبيق مشروع هيرست لتخزين المياه في المرتفعات ضمن أودية إثيوبيا المعتدلة، وإنقاذ المياه المهدرة بسبب النفايات القادمة من الصحراء الكبرى، وتوفير حلول للتحكم في الرواسب بقيمة ملايين الدولارات، رأت أن سد النهضة يُمثّل تقدمًا ملحوظًا، وهذا يُفند مزاعم مصر بحقيقة أساسية: مستقبل النيل يتطلب احتراماً متبادلاً، مما يجعل إثيوبيا لا مدينة بل دائنة في الإدارة المشتركة لمياه حوض النيل.

