بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الغياب القسري، عادت الحكومة السودانية رسميًا إلى العاصمة الخرطوم، في خطوة محمّلة بدلالات سياسية وأمنية عميقة، تتجاوز مجرد انتقال إداري من مدينة إلى أخرى. العودة جاءت بعد استعادة الجيش السوداني كامل ولاية الخرطوم، بما تضمّه من مدن الخرطوم وبحري وأم درمان، وإنهاء الوجود العسكري لقوات الدعم السريع داخل ما يُعرف بـ«العاصمة المثلثة»، في 20 مايو 2025.

 

الخطوة وُصفت من قبل خبراء بأنها إعلان صريح عن استعادة مركز القرار السياسي، ومحاولة لإعادة إنتاج شرعية الدولة من قلب العاصمة المدمّرة، في وقت لا تزال فيه الحرب مشتعلة في أطراف أخرى من البلاد، ولا تزال الأسئلة الكبرى حول السلام والانتقال السياسي بلا إجابات واضحة.

 

عودة رمزية من قلب الدمار: ماذا تعني الخرطوم الآن؟

 

نظّمت حكومة ولاية الخرطوم استقبالًا رسميًا لرئيس الوزراء كامل إدريس في مقر أمانة حكومة الولاية وسط الخرطوم، وسط عزف موسيقى الشرطة وحضور وزراء ومسؤولين، في مشهد رمزي أرادت الدولة من خلاله القول إن العاصمة عادت، ولو فوق أنقاضها.

 

رئيس الوزراء أكد في خطاب علني أن حكومته، التي أطلق عليها اسم «حكومة الأمل»، تعود لتقديم الخدمات الأساسية، ودعم الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والصرف الصحي، مع تعهد بعدم تحميل المواطن أعباء جديدة في موازنة 2026، التي وصفها بأنها موازنة بلا ضرائب إضافية. كما أعلن أن عام 2026 سيكون «عام السلام وبداية الإعمار».

 

الخبير السياسي السوداني خالد التجاني النور يرى أن “العودة إلى الخرطوم خطوة سياسية بامتياز قبل أن تكون إدارية”، موضحًا أن العاصمة تمثل رمز السيادة ومركز الثقل التاريخي للدولة، وأن استمرار الحكم من بورتسودان كان يحمل في طياته اعترافًا غير مباشر بأن الخرطوم خارج السيطرة، وهو ما سعى الجيش والحكومة لإنهائه سياسيًا قبل أي شيء آخر.

 

من بورتسودان إلى الخرطوم: حسابات السلطة والشرعية

 

اضطرت الحكومة السودانية، بعد خروج عبد الفتاح البرهان من مقر القيادة العامة في أغسطس 2023، إلى اتخاذ بورتسودان عاصمة إدارية مؤقتة. غير أن المدينة الساحلية، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تكن مهيأة لتكون مركزًا دائمًا للحكم، لا من حيث البنية التحتية ولا من حيث الرمزية السياسية.

 

المحلل السياسي صلاح مصطفى يعتبر أن عودة الحكومة الاتحادية إلى الخرطوم تمثل “انتصارًا سياسيًا على مشروع الدعم السريع”، الذي راهن منذ اندلاع الحرب على السيطرة الكاملة على العاصمة وتقويض شرعية الحكومة. ويضيف أن اتخاذ الدعم السريع مدينة نيالا مقرًا لحكومته الموازية جعل معركة الخرطوم معركة شرعية بالدرجة الأولى، وليس فقط صراعًا عسكريًا.

 

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية عبد الله علي إبراهيم أن العودة إلى الخرطوم تحمل مخاطرة محسوبة، لأن العاصمة لا تزال عرضة لهجمات بالطائرات المسيّرة، لكنها في الوقت نفسه “ضرورة سياسية لا يمكن تأجيلها”، خاصة إذا كانت الحكومة تسعى لإعادة فتح ملف التسوية السياسية من موقع قوة، وليس من عاصمة بديلة.

 

الخرطوم الجريحة والملف الإنساني: اختبار الحكومة الحقيقي

 

ورغم الرمزية السياسية للعودة، فإن الواقع الإنساني والأمني يفرض نفسه بقوة. الخرطوم خرجت من الحرب مدمّرة على نحو غير مسبوق، مع انهيار شبه كامل للبنية التحتية، ونقص حاد في الخدمات، وتباطؤ واضح في عودة السكان مقارنة بمدن أخرى جرى تحريرها سابقًا.

 

في هذا السياق، جاء إعلان شبكة أطباء السودان عن خروج ثلاثة مستشفيات رئيسية في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان عن الخدمة، ومقتل وإصابة عدد من الكوادر الطبية نتيجة القصف، ليعيد التذكير بأن الحرب لم تنتهِ، وأن الأزمة الصحية باتت عنوانًا موازيًا للأزمة العسكرية.

 

الخبير في الشؤون الإنسانية أميرة عثمان ترى أن “عودة الحكومة إلى الخرطوم لن تُقاس بالخطابات، بل بقدرتها على إعادة المستشفيات للعمل، وضمان حماية المدنيين والكوادر الطبية”، مشددة على أن استمرار استهداف المرافق الصحية في الدلنج وغيرها ينسف أي حديث عن الاستقرار.

 

وتضيف أن نجاح الحكومة في الخرطوم قد يشجّع عودة الشركات والبعثات الدبلوماسية والسكان، لكنه في المقابل يضعها أمام اختبار قاسٍ: إما ترجمة الوعود إلى خدمات ملموسة، أو فقدان الثقة سريعًا في عاصمة أنهكتها الحرب.

 

السلام أم تثبيت الأمر الواقع؟

 

يرى الصحفي السوداني محمد محمود أن تأخر عودة الحكومة، رغم استعادة العاصمة منذ أشهر، يعكس ترددًا سياسيًا وحسابات أمنية دقيقة، لكنه يؤكد أن الخطوة جاءت في توقيت مهم مع بداية عام جديد، وقد تفتح الباب أمام مسار سياسي مختلف، خاصة مع الضغوط الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب.

 

في المقابل، يحذر خبراء من أن العودة إلى الخرطوم قد تُستخدم فقط لتثبيت الأمر الواقع عسكريًا، دون معالجة جذور الأزمة، خصوصًا في ظل استمرار الحصار على مدن مثل الدلنج وكادقلي، واستمرار القتال مع الدعم السريع والحركة الشعبية شمال.

 

وبينما ترفع الحكومة شعار «الأمل»، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون عودة الخرطوم بداية فعلية للسلام والإعمار، أم مجرد انتصار رمزي في حرب لم تُغلق فصولها بعد؟ الإجابة ستتحدد بمدى قدرة الدولة على حماية المدنيين، وإعادة الخدمات، وفتح أفق سياسي حقيقي ينهي واحدة من أعنف الحروب في تاريخ السودان الحديث.