في مشهد يلخص انفصال الدولة عن واقع مواطنيها، أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي، عبر المؤسسة القومية لتيسير الحج، عن أول برنامج رسمي للعمرة تحت مظلتها، يفترض – نظريًا – أنه موجه لتخفيف الأعباء عن الناس وتنظيم الرحلات الدينية بشكل أكثر عدلًا وأمانًا. لكن ما إن ظهرت أسعار البرامج حتى انكشف الوجه الحقيقي للقصة: عمرة حكومية بطابع “اجتماعي” وشعار “التيسير”، لكنها في الحقيقة موجهة لطبقة قادرة، بينما يُترك محدودو الدخل ينظرون من بعيد إلى بيت الله الحرام وكأنه حكر على الأثرياء.
فالغرفة الرباعية في البرنامج الأول بـ 72ألف جنيه، ترتفع إلى 79.200 للثلاثية، وتقفز إلى 93.300 للثنائية، في رحلة مدتها عشرة أيام فقط، تشمل 7 ليالٍ في مكة و3 في المدينة المنورة، مع الإفطار وتذاكر الطيران على خطوط “أديل” السعودية. وحتى البرنامج “الأقل تكلفة”، الذى تُقدمه الجهة ذاتها، يأتي بأسعار 46 ألفًا للرباعية، 49.500 للثلاثية، و56.500 للثنائية، مع نفس خط السير والقطار والانتقالات. أرقام تكفي وحدها لنسف فكرة أن هذا برنامج “اجتماعي” أو “مُيسّر”، وتطرح سؤالًا حادًا: لصالح من تعمل المؤسسة القومية لتيسير الحج فعلًا؟
“تيسير الحج” على ورق.. وتسعير العمرة بمنطق “من يدفع أكثر يدخل أولًا”
على الورق، يفترض أن وزارة التضامن الاجتماعي هي وزارة الفئات الأضعف: أصحاب معاشات، عمالة غير منتظمة، محدودو الدخل، والأسر التي تعيش على حافة الفقر. وأن المؤسسة القومية لتيسير الحج أنشئت لتفتح باب الشعائر لمن لا يملك القدرة على تحمل فوضى السوق وجشع الشركات الخاصة. لكن الأسعار المعلنة تقول بوضوح إن البرنامج الحكومي الجديد لا يختلف كثيرًا عن عروض الشركات السياحية، بل يتفوّق بعضها عليه في المرونة أو مدة الإقامة أو التنوع، بينما يحتفظ هو فقط بـ”ختم الحكومة” وشعار “التضامن”.
فى بلد يعاني فيه ملايين من صعوبة تدبير إيجار المسكن أو أقساط المدارس أو تكلفة الدواء، تصبح مطالبة مواطن بسيط بأن يدفع 46 أو 56 أو 72 ألف جنيه فى عشرة أيام، تحت لافتة “التيسير”، نوعًا من السخرية السوداء. ما الذي تعنيه “الخدمة الاجتماعية” إذا كانت الوزارة نفسها تدخل منافسة تسعيرية مع القطاع الخاص، بدلًا من كسر الأسعار وخلق مسار فعلي للفقراء ومحدودي الدخل؟
الأخطر أن الطابع الحكومي للبرنامج يمنحه غطاءً أخلاقيًا، فيُروَّج له باعتباره “موثوقًا” و”مضمونًا” و”من الدولة”، فيما يختفي النقاش الحقيقي: لماذا خضعت العمرة لمنطق السوق الحر إلى هذا الحد؟ ولماذا تتبنى وزارة من المفترض أنها معنية بسياسات العدالة الاجتماعية نموذجًا تسعيريًا لا يراعي الحد الأدنى لدخل أغلب جمهورها الطبيعي؟
إذا كانت هذه هي “العمرة الحكومية”، فماذا تُرك إذن للقطاع الخاص؟ إذا كان من يُفترض أن يدافع عن الفقير يقدّم له عمرة بأسعار تتجاوز مدخرات سنوات، فكيف يمكن إقناع الناس أن هناك نية حقيقية لجعل الشعائر الدينية في متناول الجميع لا مجرد رفاهية موسمية لمن يملكون فائضًا ماليًا؟
استثمار في التدين أم خدمة لحق الفقراء في العبادة؟
اللافت في تفاصيل البرنامجين أن الفروق بينهما ليست في جوهر الفكرة، بل في درجة “الغلاء”. في الحالتين نحن أمام عرض سياحي كامل: طيران، فنادق، إفطار، قطار الحرمين، باصات من وإلى الحرم. أي أننا أمام منتج مكتمل العناصر الترفيهية والتنظيمية، لكنه موجه عمليًا لشريحة قادرة ماليًا، بينما يُستخدم اسم “التضامن” والمظلة الحكومية لتجميل الصورة وتسويقها على أنها “خدمة اجتماعية”.
النتيجة الأخلاقية والسياسية لهذا النمط من التفكير خطيرة: تتحول العبادة إلى سوق، ويصبح الطريق إلى الحرمين خاضعًا لقاعدة “من يملك يدفع.. ومن لا يملك يُحرم”. بدلًا من أن تكسر الدولة احتكار شركات السياحة وتضغط لتخفيض الأسعار، دخلت هي نفسها ساحة الربح من وراء الشوق الديني للناس، مع فارق واحد فقط: أن من يضع شعار “تيسير الحج” على اللافتة هو نفسه من يرفع السعر ويغلق الباب في وجوه الفقراء.
فى ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال الحقيقى ليس: “كم عدد الليالي في مكة والمدينة؟”، ولا “ما نوع الطيران أو الفندق؟”، بل: أين منطق العدالة الاجتماعية فى برنامج يحمل ختم وزارة التضامن؟ ولماذا لا يُخصص مسار حقيقي لعمرة مدعومة فعلاً، بأولوية لأصحاب المعاشات، وذوي الإعاقة، والأرامل، والعمالة الهشة، وبأسعار يمكن أن يتحملها من يدفع ثمن رغيف الخبز بالحساب؟
إذا كانت الدولة جادة فى “تيسير الحج والعمرة”، فعليها أن تبدأ من السؤال: كيف نفتح الطريق لمن لم تطأ أقدامهم الحرم قط، لا لمن اعتادوا تكرار السفر كل عام؟ أما أن تتحول وزارة الفقراء إلى وكيل سفر فاخر، وتُسمى ذلك “تيسيرًا”، فهذه رسالة قاسية تقول للمواطن البسيط بوضوح: حتى فى طريقك إلى بيت الله.. أنت خارج الحسابات.

