في وقتٍ تراهن فيه الدولة على توطين صناعة الهواتف الذكية وجذب الاستثمارات، تفجّرت أزمة حادة في سوق المحمول المصري، كشفت مفارقة لافتة: هواتف يتم تجميعها أو تصنيعها محليًا تُباع في الخارج بأسعار أقل من السوق المحلي، بينما يواجه المستهلك المصري موجات متتالية من الغلاء، سواء في الأجهزة الجديدة أو المستعملة، تحت ضغط الرسوم الجمركية وآليات تسعير وُصفت بالعشوائية.

 

سوق ضخم… وأرقام مليارية

 

بحسب المهندس وليد رمضان، نائب رئيس شعبة المحمول باتحاد الغرف التجارية، يبلغ حجم تجارة الهواتف الذكية في مصر نحو 100 مليار جنيه سنويًا، وهو رقم يعكس ضخامة القطاع وأهميته للاقتصاد الوطني. وتضيف الرسوم الجمركية المفروضة على الهواتف، والبالغة نحو 38%، ما يقرب من 38 مليار جنيه إلى خزينة الدولة سنويًا.

 

غير أن هذه الأرقام الكبيرة لم تنعكس – وفقًا لرمضان – على مصلحة المستهلك، بل على العكس، بات المواطن يدفع أسعارًا تفوق مثيلاتها في أسواق إقليمية وعالمية، حتى للهواتف التي تحمل وسم «صنع في مصر».

 

«تجميع» لا «تصنيع»… وسعر بلا ميزة تنافسية

 

خلال مداخلة تلفزيونية، أوضح رمضان أن ما يجري حاليًا في مصر هو تجميع للهواتف وليس تصنيعًا كاملًا، معتبرًا أن هذه الخطوة مرحب بها كمرحلة أولى، لكنها لا تبرر الفجوة السعرية الهائلة. فالمصنّعون، وفق حديثه، يحصلون على إعفاءات وامتيازات كبيرة من الدولة، كان من المفترض أن تنعكس على السعر النهائي، وهو ما لم يحدث.

 

وضرب مثالًا بهاتف Samsung A17 المُجمع محليًا، والذي يُباع في السوق المصري بنحو 8600 جنيه، بينما يُطرح في السوق السعودية بسعر 500 ريال فقط (حوالي 6250 جنيهًا)، رغم أنه مُصدَّر من مصر. وأكد أن الفارق لا يمكن تفسيره بضريبة القيمة المضافة، خاصة أن نسبتها في السعودية 15% مقابل 14% في مصر.

 

دعم التصدير على حساب المواطن؟

 

وحذّر نائب رئيس شعبة المحمول من سياسات يرى أنها تدعم التصدير على حساب المستهلك المحلي، مطالبًا بتشكيل لجنة ثلاثية تضم شعبة المحمول، وجهاز حماية المستهلك، وجهاز المنافسة ومنع الاحتكار، وبمشاركة لجنة الاتصالات بمجلس النواب، لمراجعة آليات التسعير ومقارنتها بالأسواق الخارجية، بما يضمن الشفافية ويضع حدًا لاختلال الأسعار.

 

كما نفى مزاعم وجود 15 مصنعًا للهواتف في مصر، موضحًا أن الموجود فعليًا هو 15 ماركة فقط، مشددًا على أن هدف الوصول إلى سعر تنافسي لم يتحقق بعد، بدليل أن جميع الماركات تباع خارج مصر بأسعار أقل.

 

جمارك الموبايل… نار جديدة في سوق المستعمل

 

بالتوازي مع أزمة أسعار الهواتف الجديدة، اشتعلت سوق الهواتف المستعملة بعد قرار الحكومة إنهاء الإعفاء الاستثنائي للرسوم الجمركية على الهواتف الواردة من الخارج. ووفق مصادر بوزارة الاتصالات وشعبة المحمول، ارتفعت أسعار المستعمل بنسبة تتراوح بين 5 و10%، مدفوعة بزيادة الطلب عليه كبديل اضطراري للهروب من غلاء الجديد.

 

ويؤكد وليد رمضان أن السوق يشهد حاليًا ارتفاعًا مبالغًا فيه في أسعار الأجهزة المستعملة، مع زيادة الطلب عليها بنحو 10%، نتيجة الضغوط الجمركية.

 

آلية تسعير «تُضخّم» الأسعار

 

أبرزت الأزمة مثالًا صارخًا لهاتف iPhone Pro Max، الذي يبلغ سعره العالمي نحو 1200 دولار (حوالي 57 ألف جنيه). ووفق الحسابات المنطقية، ومع إضافة رسوم جمركية بنسبة 38.5%، يفترض ألا يتجاوز سعره 79 ألف جنيه. لكن الواقع أن الهاتف يُباع محليًا بأسعار تتراوح بين 92 و94 ألف جنيه.

 

ويرجع رمضان هذه الفجوة إلى خلل في آلية التسعير الجمركي، حيث يتم – بحسب قوله – فرض رقم قطعي ثابت بدلًا من الاحتساب بناءً على فاتورة الشراء الحقيقية، ما يؤدي إلى تضخيم غير مبرر للأسعار.

 

قرار حكومي… وارتباك ممتد

 

جاءت هذه التطورات عقب قرار جهاز تنظيم الاتصالات إنهاء فترة الإعفاء الاستثنائي للهواتف الواردة من الخارج، وهو قرار أعاد إلى الأذهان حالة الارتباك التي شهدها السوق منذ يناير من العام الماضي، عندما بدأت ملاحقة أجهزة تم تشغيلها مطلع 2025 برسائل تحذيرية تطالب بسداد رسوم تصل إلى 38.5%، مع وقف تشغيل بعض الأجهزة «بالخطأ»، وفق مصادر رسمية.

 

ورغم اعتراف مصدر بوزارة الاتصالات بوجود اضطراب سعري حاليًا، إلا أنه وصفه بأنه أثر طبيعي مؤقت لأي قرار حكومي، متوقعًا عودة الأسواق إلى الاستقرار تدريجيًا.

 

تحركات برلمانية وغضب شعبي

 

على الصعيد التشريعي، تقدم النائب أحمد حلمي بطلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزراء المالية والاتصالات، معتبرًا أن التطبيق العملي للقرار كشف عن إشكاليات جسيمة. في المقابل، تحفظت النائبة عبير عطا الله، ممثلة المصريين بالخارج، على فرض أعباء مالية على الهواتف الشخصية للعائدين، مؤكدة أن ذلك ينعكس سلبًا على المستهلك ولا يحقق جدوى اقتصادية حقيقية.

 

كما اقترح عضو شعبة المحمول حمد النبراوي منح المصريين بالخارج خصمًا يصل إلى 25% عند شراء الهواتف من المصانع أو الفروع المحلية باستخدام «الإقامة»، في محاولة لتخفيف الضغط وإعادة التوازن لسوق يعاني – بحسب وصفه – من تشوهات حادة في التسعير.